الأزمة النقدية في اليمن .. من الانهيار النقدي إلى محاولات الاحتواء والمعالجة النقدية

الأحقاف نت / دارسة خاصة / 27 أكتوبر 2025م

تمهيد: مدخل عام للدراسة

كشفت دراسة متخصصة أن الأزمة النقدية في اليمن تمثل واحدة من أعقد الأزمات التي عرفها البلد في تاريخه الحديث، مؤكدة أنها ليست مجرد هبوط في قيمة العملة، بل انعكاس عميق لحالة الانقسام السياسي والمؤسسي، ومحصلة لاقتصاد ريعي هش وغياب التخطيط الاستراتيجي وتراكم الفساد.

سياق تاريخي واقتصادي للأزمة النقدية في اليمن

أرجعت الدراسة جذور الأزمة إلى البنية التاريخية للاقتصاد اليمني ومسار النظام النقدي منذ النشأة الأولى، مشيرة إلى أن النظام النقدي تشكل في بيئة مشحونة بالانقسامات، حيث ورث اليمن بعد الوحدة نظاماً نقدياً هشاً يتأثر بأبسط التغييرات.

النشأة التاريخية للمؤسسات النقدية في اليمن

· شمال اليمن: تأسس البنك اليمني للإنشاء والتعمير عام 1962، لكنه ظل خاضعاً للقرار السياسي.
· جنوب اليمن: أنشئ مجلس النقد للجنوب العربي عام 1964، وتحول بعد الاستقلال إلى مصرف اليمن الذي عمل بفلسفة اشتراكية صارمة.
· ما بعد الوحدة (1990): اندمجت المؤسستان في البنك المركزي اليمني، لكن الدمج أخفى اختلالات عميقة، وبقيت الاقتصاد يعتمد على الريع النفطي.

الاقتصاد اليمني قبل الحرب: ملامح الهشاشة البنيوية

أكدت الدراسة أن الاقتصاد اليمني تحول إلى اقتصاد ريعي يعتمد على النفط والغاز، مما خلق “حلقة مفرغة” من الهشاشة، مع ضعف البنية الإنتاجية والتنوع الاقتصادي، وغياب استقلالية البنك المركزي، وانتشار الفساد المؤسسي والمالي، واعتماد كبير على تحويلات المغتربين والمساعدات.

أسباب وآليات تفجر الأزمة النقدية في اليمن

أوضحت الدراسة أن انفجار الأزمة بعد 2015 لم يكن مفاجئاً، بل نتيجة تراكمية، مشيرة إلى عدة آليات مباشرة:

· انقسام البنك المركزي بين صنعاء وعدن: قرار نقل البنك المركزي إلى عدن في سبتمبر 2016 أدى عملياً إلى خلق بنكين مركزيين وسياستين نقديتين متعارضتين.
· سياسة الطباعة النقدية وأثرها التضخمي: لجأت الحكومة في عدن إلى طباعة نقدية مكثفة لتمويل العجز، مما أدى إلى إغراق السوق وارتفاع حاد في التضخم.
· انهيار الاحتياطيات الأجنبية وصعود السوق الموازية: توقف الصادرات النفطية واستنزاف الاحتياطي دفع التجار والمواطنين إلى الاعتماد على السوق السوداء وشركات الصرافة التي أصبحت المحدد الفعلي لسعر الصرف.
· أزمة الثقة في المؤسسات النقدية: فقد المواطنون الثقة في العملة الوطنية، مما عزز الاعتماد على العملات الأجنبية.

الدوافع الكامنة وراء الأزمة النقدية في اليمن

حللت الدراسة الدوافع الكامنة للأزمة:

· الدافع السياسي: تحول النقد إلى أداة سياسية بامتياز في الصراع بين الأطراف.
· الدافع الاقتصادي: العجز الكامل في تمويل النفقات بعد توقف عائدات النفط.
· الدوافع الإقليمية والدولية: قدمت دول مثل السعودية ودائع ومنحاً مرتبطة بشروط سياسية، بينما ساهمت العقوبات الأمريكية في مزيد من عزل القطاع المصرفي.

احتواء الأزمة ومحاولات الإصلاح الاقتصادي في اليمن

رصدت الدراسة محاولات احتواء الأزمة، والتي تباينت بين:

· صنعاء: تبني سياسة نقدية تقوم على الانكماش وحظر تداول العملة الجديدة، مما خلق استقراراً نسبياً لكنه أدى إلى أزمة سيولة.
· عدن: اعتماد آلية المزادات العلنية لبيع الدولار وتلقي الودائع الخليجية، لكنها كانت إجراءات مؤقتة لم تعالج جذور الأزمة.

التناقض بين تحسن الريال وجمود الأسعار في السوق المحلية

أبرزت الدراسة مفارقة مهمة عام 2025، حيث شهد الريال اليمني تحسناً ملحوظاً في سعر الصرف الرسمي، لكن هذا التحسن لم يترجم إلى انخفاض ملموس في أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية، بسبب عوامل مثل اعتماد التجار على مخزون قديم، وسلوك الحذر، وتركيز سلاسل التوريد، والقيود الإدارية.

النتائج المترتبة عن الأزمة النقدية ومحاولات الإصلاح الاقتصادي

أوضحت الدراسة أن النتائج كانت عميقة وطالت مختلف الجوانب:

· الانهيار الحاد في القوة الشرائية: فقد الريال أكثر من 1000% من قيمته منذ 2014.
· ارتفاع معدلات الفقر: تجاوزت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر 71% من السكان.
· تفكك النظام المصرفي: وانهيار الثقة به، وصعود شركات الصرافة.
· تعمق الاعتماد على المساعدات: وتحول الاقتصاد إلى اقتصاد إغاثي.

الخاتمة

خلصت الدراسة إلى أن الأزمة النقدية في اليمن هي أزمة مركبة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية متداخلة، وليست مجرد نتيجة لسياسات نقدية خاطئة. وشددت على أن الخروج منها يتطلب، أولاً وقبل كل شيء، تسوية سياسية شاملة تعيد توحيد المؤسسات النقدية، وبناء سياسة نقدية مستقلة، وإعادة هيكلة الاقتصاد ليكون قائماً على قاعدة إنتاجية محلية، محذرة من أن الإجراءات الظرفية والتدخلات الخارجية لن تؤدي إلا إلى تحسن مؤقت يتبعه انهيار متكرر.

رابط الدراسة كاملا 👇

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى