هرولة الاقتصاد نحو المجهول: قراءة متعمّقة لديناميات النقد والمالية العامة في اليمن .. تقرير تحليلي من وحدة الدراسات الاقتصادية لمركز الأحقاف للدراسات الاستراتيجية والإعلام

الأحقاف نت / تقرير تحليلي – وحدة الدراسات الاقتصادية – مركز الأحقاف للدراسات الأستراتيجية والإعلام / 5 أغسطس 2025م

1/ المقدمة

يعيش الاقتصاد اليمني لحظةً فريدة تتأرجح فيها المؤشرات النقدية بين التحسّن الاسمي والتدهور البنيوي.
فعلى مدى الأيام الأخيرة من يوليو 2025 قفز الريال اليمني إلى مستويات لم يشهدها منذ مطلع العام، وهو ما بدا للشارع «انفراجًا» مرتقبًا.

غير أنّ التفحّص الدقيق يُظهر أنّ هذا الصعود يخفي وراءه صدمة سيولة مؤقّتة تُعيد إنتاج الاختلالات نفسها عند أول منعطف.

يكتسب هذا التقلّب أهميته لأنّه يحدث في فراغٍ مؤسّسي تتنازع فيه سلطتان نقديّتان وتنشط فيه مئات شبكات الصرافة غير الموحَّدة.

ولأن السياسة المالية لا تزال معلَّقة على عائداتٍ هيدروكربونية متوقفة، فإنّ أي تحرّك في سعر الصرف سرعان ما ينعكس على الأمن الغذائي.

من هنا يهدف هذا التقرير إلى إضاءة الصورة الكاملة: كيف تحرّك سعر الريال، وما القُوى الكامنة وراءه، وما الذي يعنيه ذلك لحياة ملايين المواطنين؟.

يركّز التقرير على ستة محاور؛ يبدأ بالمشهد النقدي الراهن، ثم ينتقل إلى هندسة البنك المركزي، فالفجوة المالية، فالانقسام النقدي، فمفاعيل الأسعار على المعيشة، وأخيرًا يستشرف السيناريوهات.

تستند التحليلات إلى بيانات رسمية، وتقارير أممية، ورصد ميداني للتعاملات اليومية في عدن وصنعاء والمكلا وتعز.

كما تُقارن الإجراءات المتخذة في عدن بمعادلات الامتثال الدولي التي تفرضها وزارة الخزانة الأميركية وتجعل كل معاملة مصرفية «مسار ألغام» بيروقراطي.

يتناول التقرير كذلك تأثير تعطيل مئات الجهات الحكومية عن التوريد إلى الخزانة وكيف يحوّل البنك المركزي إلى «صنّاجة» بين مزادات عملة واستحقاقات رواتب.

ويرصد دور الاحتجاجات الشعبية في ساحل حضرموت كوضعٍ ضاغطٍ يستنزف شرعية السلطة النقدية حين تعجز عن خفض الأسعار فعليًا.

يعالج التقرير أيضًا معركة «سيادة الإصدار» التي تقودها سلطات صنعاء عبر طباعة فئات نقدية جديدة، وكيف باتت الورقة النقدية أداة تفاوض سياسي.

ثم يقارن بين السعر المُعلن في تطبيقات الصرافة وبين السعر المُنفَّذ فعليًا لدى تجار الجملة والتجزئة، كاشفًا الفجوة المعلوماتية المزمنة.

يُظهر التحليل أن غياب شفافية المزادات اليومية يُبقي السوق رهينة الشائعات ويُفاقم الميل إلى الادخار بالدولار أو الريال السعودي.ويبيّن أنّ انخفاض الاحتياطي الأجنبي وتآكل الوديعة السعودية جعلا من كل «قفزة» للريال حدثًا عابرًا لا يؤسّس لاستقرار.

يناقش التقرير أيضًا أثر العقوبات الثانوية على البنوك اليمنية وكيف تعيد رسم خريطة المراسلة المصرفية وتُرهق كلفة التحويلات.

ويشرح آليات لجنة تمويل وتنظيم الاستيراد ومواطن قوتها وضعفها، بدءًا من ضبط الاعتمادات وحتى ربطها ببيانات الحاويات.

وأخيرًا يضع هذا التقرير جملة توصيات قابلة للتنفيذ تهدف إلى تحويل المعطيات الظرفية إلى مسار إصلاحي مستدام.

التوصيات تركّز على الحوكمة الإيرادية، والشفافية النقدية، وتوحيد قنوات الدفع، مع مسار دبلوماسي مالي لاستعادة صادرات النفط.

إن لم تُنفَّذ هذه المسارات بصرامة، فستبقى هرولة الاقتصاد نحو المجهول عنوان المرحلة المقبلة، يُعيد نفسه مع كل تقلّب في شاشة الصرافة.

2/ المشهد النقدي الراهن

الانعكاس الاسمي لا الواقعي

ارتفع الريال فجأة مع نهاية يوليو لكن أسعار السلع والخدمات ظلّت على حالها، ما يعني أن التحسّن اقتصر على الأرقام في التطبيقات بينما الواقع المعيشي لم يتغيّر وإذا كان هناك تغيير في الأسعار هو طفيف جدا مقارنة بنزول سعر الصرف .

هذا الانفصام يؤشّر إلى ضعف انتقال السياسة النقدية إلى السوق السلعية بسبب تشويه آليات التسعير وانعدام الثقة بين التاجر والسلطة النقدية.

التجّار يعتمدون في تثبيت أسعارهم على سقف مرتفع تحسّبًا لأي ارتداد مفاجئ، وهو ما يعطّل أي أثر لارتفاع العملة.

الأسواق الشعبية في عدن وتعز لم تُعِد تسعير سلعها الأساسية، وظلّ كيلو الأرز المستورَد عند نفس المستوى الذي كان عليه قبل هبوط الدولار وهناك انخفاض ولكنه طفيف .

أما في صنعاء، فقد ظهرت أسعارٌ أقلّ قليلًا لكن بعملةٍ معدنية جديدة يرفضها الجنوب، ما يخلق فجوة مزدوجة بين الشطرين.

المراقبة الميدانية أظهرت أن حملة إعلامية مكثّفة حول «قوّة الريال» رفعت الطلب على استبدال الريال السعودي بالدولار، ما غذّى دورة مضاربة معاكسة.

ولا تزال أداة البنك المركزي الوحيدة هي نشر سعر استرشادي يومي بلا نظام تدخّل، ما يجعل الرقم مجرد «إشارة سياسية» أكثر منه سعرًا نافذًا.

النتيجة الإجمالية هي سوقٌ مزدوجة يتحكّم فيها المزاج المضارِبي، فيما يقف المواطن حائرًا بين شاشة السعر الافتراضي وواقع فاتورته المرتفعة.

3/ هندسة البنك المركزي: بين الإجراءات الفنية وتصفية السوق

تعليق تراخيص الصرافين الصغار

أَوقفت عدن عمل عشرات شركات الصرافة الصغيرة في أسبوع واحد بدعوى المضاربة؛ ورغم صِغَر حصتها السوقية فإن صدى القرار كان كبيرًا في الإعلام المحلي.أدّى ذلك إلى تراجع المعروض اللحظي من الدولار، فهبط السعر الاسمي سريعًا، لكن اللاعبين الكبار اغتنموا الفرصة لشراء الريال الرخيص وتخزينه.يَعتبر كثير من المصرفيين أن الحملة تركت الشركات الكبيرة بلا منافسة، ما أعاد الاحتكار بصورة غير مباشرة ورفع عمولة التحويل الداخلي.

وأدّى شحّ الدولار في شباك الصرافة إلى انتقال الطلب إلى السوق السوداء التي ظهرت في الأزقة بعيدًا عن الرقابة، ما يُنذر بعودة الفوضى مع أول أزمة.في غياب منصة إلكترونية للإفصاح اللحظي، تُستقى الأسعار من مجموعات واتساب مغلقة تديرها شبكات أشدّ تمرّسًا وخبرة.وعليه، فإن الخطوة التي قُصد بها «تنظيف السوق» قد تتحوّل إلى بيئة مثالية لعودة المضاربة بصورة أعنف ما لم تُستكمَل بشفافية حقيقية.

لجنة تمويل وتنظيم الاستيراد

تشكّلت اللجنة لتنسيق الاعتمادات المستندية وربطها بحركة الاستيراد الحقيقية، مستهدفة منع الفواتير الوهمية وغسيل الأموال عبر تغليف بضائع غير موجودة.الجديد في اللجنة هو ضمّ مصلحة الجمارك والقطاع الخاص إلى منصة مشتركة، ما يُتيح مطابقة وثائق الشحن مع طلب العملة الصعبة.

غير أنّ التجّار يشكون بطئًا في الموافقات وسقوفًا منخفضة لا تغطّي احتياجات موسم الاستيراد الحالي، ما يدفعهم إلى التحويل عبر قنوات غير رسمية.كما أنّ غياب تحفيزٍ على التوريد الآجل للعملة يجعل البنوك تتردّد في فتح اعتمادات طويلة الأجل، خوفًا من تقلّبات السعر.بعبارة أخرى، اللجنة وضعت الإطار الصحيح لكنّها تحتاج سيولة كافية وآلية متابعة لحظية كي تتحوّل من لافتة تنظيمية إلى رافعة استقرار حقيقية.حتى يتحقق ذلك، ستبقى المعاملات الكبيرة تتسرّب إلى منافذ موازية، حارمة اللجنة من بيانات تدفق واسعة تعكس صورة السوق الحقيقية.

ضغط الامتثال والعقوبات الأميركية

منذ لقاء الرياض مع وزارة الخزانة، طُولبَت البنوك اليمنية برفع معايير معرفة الزبون إلى مستويات دولية صعبة التطبيق محليًا.

استجابت بعض البنوك بإغلاق حسابات الحوالات الصغيرة، ما دفع شريحة واسعة من المغتربين إلى استخدام وسطاء فرديين خارج النظام المصرفي.

اختناق التحويلات القانونية خفّض السيولة «النظيفة» في السوق، بينما تُضخّ سيولة مظلَّلة عبر مسارات بديلة، فتتشوّه صورة العرض الحقيقي للدولار.

إدراج بنوك يمنية في قوائم العقوبات أثار ذعر المصارف المراسلة، فقلّصت حدود الائتمان وأبطأت زمن التسويات، ما رفع الطلب على الكاش.

مع كل هذه التعقيدات، تصبح أي حملة ضبطٍ داخلية غير مكتملة لأن جذور المضاربة تنتقل ببساطة إلى الشبكة الخارجية التي لا سلطان لعدن عليها.

وعليه، فإن حلّ معضلة الامتثال يحتاج مفاوضات سياسية أوسع لا تملكها السلطة النقدية وحدها، بل تتطلّب مسارًا دبلوماسيًا واقتصاديًا منسّقًا.

4/ الفجوة المالية العامة وإشكالية الإيراد

امتناع الجهات الحكومية عن التوريد للخزانة

اعتراف محافظ البنك المركزي بهذا العدد كشف حجم التسرّب المالي داخل مؤسسات الدولة، محوّلًا الخزانة العامة إلى «جزر منفصلة» لا تلتقي.

هذا الامتناع يحرم البنك من السيولة الآنية ويُربكه عند صرف الرواتب، فيلجأ إلى مزادات عملة تستنزف ما بقي من الاحتياطي الأجنبي القليل.

وفي المقابل لا توجد حوافز أو عقوبات صارمة تدفع هذه الجهات إلى الامتثال، في ظل غياب نظام موحَّد للموردين والرقابة البرلمانية المعطّلة.

كلّ شهر تأخيرٍ في التوريد يضيف ضغطًا على النقد الأجنبي لأن البنك يضطر إلى شراء الدولار لتغطية الالتزامات الداخلية المقوَّمة بالعملة الصعبة.

وعندما تُستخدَم المزادات لتمويل الرواتب، فإن سعر الصرف يتأرجح تبعًا لحجم الطرح، ما يحوّل أجر الموظف إلى عامل عدم استقرار بدل أن يكون عامل أمان.

هكذا يصبح العامل الحكومي نفسه ضحيةً حين يتقاضى راتبًا مقوَّمًا بسعر مزادٍ يعجز لاحقًا عن شراء سلّة غذائه اليومية.

بلا ربطٍ آني بين الإيراد والإنفاق، ستظل الفجوة المالية ثقبًا أسود يبتلع أي محاولة لاستقرار نقدي طويل الأجل.

توقّف صادرات النفط والغاز

منذ نهاية عام 2022، حُرمت الخزانة من أهم مصدر للعملة الصعبة، فتراجعت الموارد بنحو مليارات الدولارات سنويًا وفق تقديرات مستقلة.

هذا الفراغ كان يُعَوَّض تاريخيًا بودائع سعودية أو منح إماراتية، لكن تقلّصها أخيرًا حرم السوق من صمّام أمانٍ أساسي.

العجز المالي تجاوز ثلث إجمالي الإيرادات؛ ومع كل شهر بلا تصدير نفطي يزداد الاعتماد على الائتمان الداخلي وطباعة النقود، ما يسرّع التضخم.

كما أنّ توقف الغاز حدَّ من فرص عقود الطاقة طويلة الأجل، ما حرم الحكومة من مقدمات نقدية بالعملة الصعبة كانت تُموِّل استيراد القمح والوقود.

إلى جانب الأثر المالي، أضعف ذلك موقف اليمن التفاوضي في أي محادثات إعادة إعمار لاحقة، لأن القدرة على المساهمة المحلية شبه معدومة.

إن استئناف التصدير يصطدم بعراقيل أمنية وسياسية تتجاوز وزارة المالية، ما يجعل العجز مرشحًا للاتساع ما لم تتدخل وساطة دولية.

من دون هذا التدخل سيبقى المزاد هو الأداة الوحيدة، وهو أداة قصيرة النفس لا تصلح لإدارة اقتصادٍ في حاجة إلى تمويلات إنمائية طويلة الأجل.

موازنة بلا إطار شرعي فعلي

تشكيل لجنة تحضيرية لإعداد موازنة جديدة خطوةٌ تقنية مطلوبة لكنها تفتقر إلى الرافعة الدستورية لأن مجلس النواب معطَّل منذ سنوات.

غياب الإقرار البرلماني يجعل أي موازنة وثيقة داخلية بلا قوة إلزام قانوني، ما يُضعف رقابة المجتمع الدولي ويُحدّ من فرص التمويل الخارجي.

كما أن عدم وجود جهات مراجعة مستقلة يفاقم خطر تضخيم تقديرات الإيرادات لتمرير إنفاقٍ غير مغطّى، ما يخلق فجوة أكبر عند التنفيذ.

الجهات المانحة عادةً تشترط شفافية الموازنة قبل تقديم قروضٍ ميسَّرة أو منح، لذا فإن التأخر هنا ليس مجرد مسألة إجرائية بل يمسّ التدفق المالي.

وفي ظل استمرار الحرب، تصبح الموازنة وثيقة تقديرية أكثر منها خطة إنفاق فعلية، ما يشوّش على السوق ويُبقي المستثمرين في حالة ترقب.

أيضًا، يعجز البنك عن مواءمة سياسته النقدية مع مسار مالي غير واضح، فيضطر لاجتهادات آنية تُربك أدواته التدخلية.

إن إحياء البرلمان – عبر ضغط دولي أو وساطة تحالفية – شرطٌ جوهري لحوكمة إنفاق عام قادم وضمان ألا تتحوّل الموازنة إلى مجرد حبر على ورق.

5/ الانقسام النقدي والتنافس السياسي

إصدار فئات نقدية جديدة في صنعاء

إطلاق قطعة معدنية وورقة نقدية جديدة يعمّق الشقاق بين العملتين الموازيتين، ويجعل المقاصة المصرفية شبه مستحيلة عبر الخطوط.

سلطات صنعاء تبرر الإصدار بضرورة استبدال العملة التالفة، بينما ترى عدن في الخطوة «تزويرًا» يهدّد أمنها المالي ويُسهّل غسل الأموال.

في السوق الواقعية، يُضطر التجار في المناطق المختلطة للقيام بخصمٍ كبير عند قبول العملة الشمالية، ما يرفع تكلفة السلع فورًا.

الخلاف لا يقتصر على مطابع النقود بل يمتد إلى «شرعية الطبع»؛ كل طرف يروّج لرواية تُحمّل الآخر مسؤولية انهيار القوة الشرائية.

ومع كل فئة جديدة تُطبع، ينخفض الدافع لدى أي جهة دولية لإسناد برنامج توحيد نقدي قبل التوصل لاتفاق سياسي شامل.

على المستوى الشعبي، خلق ذلك نزعة لاكتناز الدولار والريال السعودي خوفًا من أن يصبح الريال المحلي «مقسومًا» بقيمة مختلفة بين الشمال والجنوب.

ما لم يتم الضغط لوقف الإصدارات الأحادية، سيصبح لدينا اقتصادان مغموران بتضخم مُضاعَف، ما يعقّد إعادة الإعمار لاحقًا.

وبذلك تتحوّل الورقة النقدية نفسها إلى جبهة صراع موازية لجبهات السلاح، فينزف الاقتصاد من دون طلقة واحدة.

تكلفة التحويل الداخلي وتصاعد السوق الموازية

يرفض بنك عدن قبول الإصدارات الجديدة، في حين تُفرَض في صنعاء كعملة قانونية، فتُستنزف قيمة سلع الجنوب عند مرورها إلى الشمال بفعل فارق الخصم.

أدى ذلك إلى نشوء «سوق ظلّ» لتجارة العملة على خطوط التماس، حيث تتم المقايضة نقدًا وبفارق سعري سرّي يصل أحيانًا إلى مستويات مرتفعة.

هذه السوق لا تخضع لأي ضوابط، ما يسهّل تهريب العملة الصعبة إلى الخارج ويقوِّض محاولات البنك المركزي ضبط السيولة.

التجار الكبار الذين يملكون مخازنًا في الجانبين صاروا أكبر مستفيد، لأنهم يفرضون علاوة سعرية عند كل عبور.
كما أنّ نقل السيولة أصبح عالي المخاطر، فرجال الأعمال يدفعون «إتاوات» لحماية الشحنات النقدية، ما يزيد تكلفة الغذاء للمستهلك النهائي.

ومع غياب قنوات مصرفية سليمة، تُدفَع الحوالات العائلية من الخارج إلى الدخول عبر شركات تحويل صغيرة تنشط في هذه السوق غير الخاضعة.

هذا الواقع يُعمّق انفصال المنظومة المصرفية عن الاقتصاد الحقيقي، ويحوّل البنوك إلى هياكل شبه معطّلة في مناطق واسعة.

وأي خطة إعادة توحيد نقدي في المستقبل ستواجه تركة ضخمة من العملة «غير المعترف بها» ومئات الملايين خارج النظام المصرفي.

6/ أثر الأسعار على معيشة المواطن

جمود الأسعار رغم تحسّن العملة

عقب صعود الريال، كان المنطقي أن تنخفض تكلفة الغذاء، لكن السوق تجاهلت السعر الجديد وأبقت التسعير عند سقف الانهيار السابق.

يُعزى ذلك إلى أن مخزون التجار مشتَرًى بالدولار عند المستوى الأعلى، ما يدفعهم إلى الحفاظ على هامشهم حتى تبيع السوق مخزونها القديم بالكامل.

أضف إلى ذلك «علاوة الخطر» التي يضيفها التجار حمايةً من أي ارتداد مستقبلي، فتظل الأسعار مرتفعة حتى بعد انقضاء مبرّر الكلفة.

النتيجة أن القوة الشرائية للمواطن لم تتحسّن، رغم أن راتبه الحكومي – إن دُفع – يُقَوَّم وفق سعر الصرف المنخفض، ما يخصم من قيمته الفعلية.

تقارير الميدان تُظهر أن سلة الغذاء القياسية ارتفعت على الرغم من صعود الريال، ما يدل على انقطاع حلقة السياسة النقدية.

في حضرموت، تعيش أسر نازحة على الخبز والشاي، وتؤكد الجمعيات الخيرية أن الطلب على وجبات الإغاثة قفز بشكل لافت في ذات الفترة.

غياب الرقابة السعرية يجعل هوامش الربح غير منضبطة؛ شهدت أسواق المكلا رفع سعر كيس الدقيق مرات عدة في أسبوع واحد ثم تثبيته عند المستوى الأعلى.

وزارة الصناعة اكتفت بتشكيل لجان لم تنزل فعليًا إلى الأسواق، فبقي المواطن بلا جهة يتظلم إليها، ما فاقم مناخ السخط الاجتماعي.

بذلك تثير كل قفزة سعرية في العملة أسئلةً عن جدوى «سعر الصرف» بالنسبة لمن لا يجد ما يشتريه أصلًا، فيتآكل رصيد الثقة بالدورة الاقتصادية الكاملة.

7/ السيناريوهات المحتملة للأشهر الثلاثة القادمة

السيناريو الأول: الارتداد المضارِبي

إذا استمرت شحّة الودائع الأجنبية واستعاد الصرافون الموقوفون نشاطهم تدريجيًا، ستعود المضاربة لتدفع الدولار فوق الحدّ الذي بلغته سابقًا. في هذا المناخ سيرتفع سعر الوقود سريعًا، وتلتحق به الحبوب المستورَدة، فتتآكل الأجور الحقيقية ويشتد الضغط الشعبي على السلطة المحلية في عدن وحضرموت.

السيناريو الثاني: التثبيت الحَذِر

يفترض هذا السيناريو نجاح لجنة الاستيراد في ضبط الاعتمادات وربط الجمارك والضرائب بحساب مركزي، مع نشر يومي لبيانات المزادات. سيُبقي ذلك سعر الدولار ضمن نطاق متوسط، ويتيح خفضًا تدريجيًا محدودًا في أسعار السلع الأساسية، شرط تنفيذ حملات تفتيش مؤسسية تحمي هامش المواطن.

السيناريو الثالث: تعميق الانقسام النقدي

إذا واصلت صنعاء طباعة فئات جديدة مع تمسّك عدن برفضها، سيتكوّن نظامان نقديّان متباعدان يرفعان كلفة التحويل والتجارة عبر الخطوط. وسينشأ «سعر ظلّ» ثالث في مناطق التماس، ما يهدّد النشاط التجاري ويزيد حالات تهريب العملة الصعبة إلى الخارج، ويرسّخ اقتصادًا موازياً عصيّاً على الضبط.

8/ توصيات مركز الأحقاف

إلزام التوريد الحكومي الفوري

على الحكومة إصدار قرار نافذ يُلزم الجهات المقصِّرة بتوريد إيراداتها يوميًا إلى حساب الخزانة باستخدام نظام مدفوعات إلكتروني مزوّد بتوثيق لحظي. يجب ربط أي مخصّص مالي لاحق لهذه الجهات بنسبة درجة التزامها بالتوريد، مع نشر قوائم الامتثال دوريًا لتعزيز الشفافية والمساءلة المجتمعية. هذا الإجراء سيعزّز السيولة المحلية تحت سيطرة البنك المركزي ويقلّل الحاجة إلى مزادات عملة منهِكة للاحتياطي الأجنبي، كما يُعيد الثقة لدى المانحين الذين يطلبون دليلًا على الجباية الموحَّدة قبل ضخّ أي تمويل طارئ للقطاع العام.

إطلاق منصة دفع وطنية موحّدة

تتولى المنصة ربط البنوك وشركات الصرافة في نظام تتبّع لحظي لعمليات الشراء والبيع، بما يمنع التسعير العشوائي ويكشف أي مضاربة فورية. ينبغي أن تتيح المنصة تقريرًا يوميًا علنيًا بسعر الصرف المتوسط، وحجم التداول، وهوية أبرز المشترين، ما يكبح الشائعات ويعطي السوق مرجعًا موحّدًا. مع توسيع التغطية لتشمل الموانئ وشهادات الاستيراد، يمكن للمنصة مطابقة طلبات العملة مع بيانات الشحن، فتُغلق ثغرات الفاتورة الوهمية. نجاح المنصة يقتضي شراكة تقنية مع مزوّد دولي موثوق وخطة تدريب لمسؤولي البنوك والصرافين لضمان الامتثال السلس.

تحويل لجنة الاستيراد إلى كيان مستقل بصلاحيات إنفاذ

يجب ترقية اللجنة إلى هيئة تنظيم تمويل التجارة، تمتلك صلاحية فرض غرامات فورية على البنوك أو التجار الذين يقدّمون فواتير مضخَّمة أو وهمية. كما ينبغي أن تمنح سلطة إلغاء الاعتماد لأي بنك لا يطبّق معايير المطابقة الجمركية، مع نشر قائمة عقوبات علنية تردع التلاعب. وجود ممثلين عن القطاع الخاص في مجلس إدارة الهيئة سيضمن توازنًا بين الانضباط والمرونة، ويعجّل في تسوية الاعتمادات. بذلك تتحول الهيئة من حلقة وسيطة مُتّهمة بالبيروقراطية إلى ذراع تنفيذ يُسهم مباشرةً في استقرار السوق السلعية وسعر الصرف.

بناء مسار دبلوماسي مالي لاستعادة الصادرات

على الحكومة إطلاق مفاوضات بإشراف الأمم المتحدة لضمان تحييد منشآت النفط والغاز من عمليات الاستهداف، مقابل التزام بتوريد العائدات إلى حسابٍ يُراقبه المانحون. هذا المسار سيعيد تدفق مبالغ كبيرة سنويًا، ويمنح الخزانة متنفسًا يخفّف الاعتماد على طباعة النقود والمزادات العاجلة. كما يوفر ضمانات لدائنين دوليين بإتاحة أموال تسهيلات إنمائية طال انتظارها، ما يمهّد لإطلاق مشاريع بنى تحتية حيوية. من غير هذا المسار ستظل أي ودائع خارجية مشروطة سياسيًا، ما يحول دون بناء استقرار مالي طويل الأمد.

إنشاء جهاز رقابة سعرية ميداني مشترك

يضمّ الجهاز ممثلين من وزارة الصناعة، والضرائب، وحماية المستهلك، ويتلقى شكـاوى المواطنين عبر تطبيق هاتف يحدّد موقع المخالفة فورًا. يُخوَّل هذا الجهاز فرض غرامات تصاعدية وإغلاق المحل فور تسجيل المخالفة، مع نشر قائمة سوداء للمضاربين في وسائل الإعلام. للحد من الرشوة، تُوَجَّه نصف حصيلة الغرامات إلى صندوق مخصَّص لتمويل حملات الرقابة، والنصف الآخر إلى دعم أسعار الخبز والوقود للفئات الضعيفة. هكذا يشعر المواطن بأن الدولة حاضرة في السوق، وتتحول الرقابة من شعار إلى أداة ملموسة لخفض الأسعار وربطها بسعر الصرف الفعلي.

9/ الخاتمة

إنّ تحسّن الريال في يوليو 2025 قدّم للمجتمع ومؤسساته المالية ومضة أمل سرعان ما خبت عند أول زيارة للسوق.

تؤكد القراءة المتعمّقة أنّ السلوك الاسمي لسعر الصرف منفصلٌ عن البنية الاقتصادية المتهالكة ومشهد الإيراد المضطرب.

ما دام البنك المركزي محرومًا من السيطرة على كامل السيولة المحلية ومجبرًا على تمويل الرواتب بمزادات عملة، فإن كل قفزة اسمية ستبقى عابرة.

كما أنّ الانقسام النقدي بين صنعاء وعدن ليس حدثًا تقنيًا بل معركة سيادة تهدد أي برنامج نقدي موحّد وتُربك خطط إعادة الإعمار.

ويقف المواطن في قلب هذه الدوامة: راتبه يتقلّص بقيمة مضاعَفة، وأسعار السلع لا تهبط، وأبواب الرقابة الرسمية موصَدة أو شكلية.

إنّ استمرار الامتناع المؤسّسي عن التوريد للخزانة يُفرغ الخزينة من قوتها ويحول البنك المركزي إلى مستورد عملة بدلاً من مدير لها.

بينما يراهن البعض على ودائع جديدة أو منحة خليجية، تكشف السوابق أن الدعم الخارجي بلا إصلاحات داخلية يُعيد تدوير الأزمة لا أكثر.

ولذلك فإن التشخيص الدقيق يُظهِر أنّ اللحظة الحالية لا تحتمل ترقيعًا؛ المطلوب إصلاح هيكلي يبدأ بتوحيد القنوات المالية قبل أي ضخٍّ جديد.

ستظل الأسواق ترفض تصديق الأرقام الرسمية ما لم تُنشَر بيانات المزادات والحوالات والتحويلات في لوحة شفافة بموقع البنك المركزي.

أمّا على الصعيد السياسي، فإن حسم ملف العملة الواحدة لابد أن يتصدّر أجندة أي حوار سلام، وإلا سيحمل معه بذرة صراع اقتصادي متجدد.

إنّ الفرصة الوحيدة لكسر الحلقة المفرغة تكمن في ربط الإصلاح النقدي ببرنامج حوكمة مالية يضمن التوريد الآني والإنفاق الرشيد.

كذلك ينبغي إشراك القطاع الخاص بوصفه شريكًا لا خصمًا، فقواعد الامتثال لن تنجح ما لم يجد التاجر في النظام الرسمي طريقًا أسرع وأرخص.

وفي النهاية، لن يُقاس نجاح أي سياسة بما يُكتب في النشرات، بل بقدرة المواطن على شراء حاجاته الأساسية بسعرٍ عادلٍ ومستقرّ.

من دون هذا المنظور، ستبقى هرولة الاقتصاد نحو المجهول عنوانًا مستدامًا، يُعيد نفسه مع كل شاشة سعر تصعد هنيهة ثم تهوي من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى