بنك الكريمي في مرمى الحوثيين وسط تصعيد غير مسبوق ضد القطاع المصرفي

الأحقاف نت | خاص

في تطور ينذر بمزيد من التعقيد في المشهد المالي اليمني، أصدر البنك المركزي الواقع تحت سيطرة ميليشيا الحوثي في صنعاء قرارًا رسميًا بإيقاف التعامل مع “بنك الكريمي للتمويل الأصغر الإسلامي”، أحد أكبر البنوك التجارية العاملة في اليمن. القرار، الذي منح المؤسسات المالية مهلة 15 يومًا فقط لتصفية أرصدتها لدى البنك، أثار صدمة واسعة داخل السوق المصرفية المترنحة أصلًا بفعل الحرب والانقسام المؤسسي.

تصعيد جديد ضمن حملة ممنهجة

يُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها جزءًا من حملة متصاعدة تنفذها جماعة الحوثي للسيطرة على النظام المالي في المناطق الخاضعة لها، في ظل غياب أي رقابة حكومية مركزية، ووسط اتهامات متكررة للجماعة باستخدام أدوات البنك المركزي بصنعاء كذراع مالي لتعزيز قبضتها السياسية والاقتصادية.

حيث صرح أحد مديري البنوك، للاحقاف نت والذي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته:

> “ما يحدث ليس خلافًا ماليًا، بل عملية تفكيك ممنهجة للقطاع المصرفي المستقل… الهدف ليس فقط معاقبة الكريمي، بل إرسال رسالة ترهيب لبقية البنوك.”

خلفية القرار

بحسب التعميم الرسمي الصادر عن البنك المركزي في صنعاء، فإن الخطوة جاءت من باب “حماية أموال العملاء”، مع مطالبة كافة الجهات المالية بتقديم كشوفات تفصيلية عن أرصدتها لدى الكريمي خلال المهلة المحددة. لكن التبريرات لم تقنع العديد من الخبراء، الذين يرون في القرار استمرارًا لنهج اقتصادي قائم على فرض السيطرة بالقوة على المؤسسات المالية.

خلال الأشهر الأخيرة، لجأت جماعة الحوثي إلى تجميد أرصدة عدد من البنوك التجارية، مصادرة بيانات العملاء، والتضييق على عمليات التحويلات الداخلية والخارجية، ما أدى إلى حالة من الشلل في التعاملات المالية، وفاقم عزلة الاقتصاد اليمني عن المنظومة المالية الإقليمية والدولية.

بنك الكريمي… من الاستقلال إلى الاستهداف

 

يُعد بنك الكريمي من أنشط البنوك اليمنية، وله امتداد واسع في المدن والمناطق الريفية على حد سواء. وقد شهد في السنوات الأخيرة محاولات عدة لنقل مركز عملياته إلى العاصمة عدن، في استجابة للتحولات السياسية والدولية، لا سيما بعد إدراج الولايات المتحدة لجماعة الحوثي ضمن قوائم الإرهاب في مطلع 2024.

مخاطر اقتصادية متفاقمة

القرار الحوثي من المرجح أن يؤدي إلى أزمة سيولة نقدية، ويُربك شبكة المعاملات المالية بين البنوك، خاصة مع ازدياد اعتماد السوق على خدمات التحويل والتعاملات غير النقدية. ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات قد تدفع المزيد من المؤسسات المالية إلى الانسحاب من المناطق الخاضعة للحوثيين، وهو ما قد يؤدي إلى تفريغ تلك المناطق من أي بنية مالية منظمة.

كما حذر خبراء من أن القرار يقوّض الثقة بالقطاع المصرفي اليمني برمّته، ويعزز من مخاطر التعامل الدولي معه، في وقت تسعى فيه الحكومة المعترف بها دوليًا إلى توحيد النظام المصرفي، وضمان الامتثال للمعايير الدولية الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

صراع على السيطرة الاقتصادية

 

تأتي هذه التطورات ضمن سياق أوسع من الصراع على التحكم بالدورة الاقتصادية في اليمن، حيث تعتمد جماعة الحوثي على أدوات مالية مثل الضرائب، الإيرادات الجمركية، وآليات التحويلات لضمان تدفق الموارد إلى شبكاتها. وتُعد السيطرة على البنوك جزءًا حاسمًا من هذه المعادلة.

 

في المقابل، تسعى الحكومة اليمنية في عدن إلى إعادة ضبط النظام المالي وفق قواعد مصرفية مستقلة، مدعومة من مؤسسات دولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي. ويخشى المراقبون من أن استمرار الانقسام المالي قد يؤدي إلى انهيار شامل في المنظومة الاقتصادية، ويجعل التعافي بعد الحرب أكثر تعقيدًا.

في بلد أنهكته الحرب، يبدو أن القطاع المصرفي بات جبهة جديدة للصراع، حيث تتجاوز القرارات المالية أحيانًا حدود الاقتصاد لتتحول إلى أدوات للهيمنة السياسية. ومع قرار إيقاف التعامل مع بنك الكريمي، يدخل اليمن مرحلة جديدة من الاختناق المالي، وسط غياب أي بوادر للتسوية أو خارطة طريق اقتصادية موحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى