تقرير خاص .. عشر سنوات على ملحمة تحرير العاصمة عدن: يوم انتصر الجنوب لإرادته وهويته

الأحقاف نت / تقرير خاص : عدن / 28 مارس 2025م

قبل عشرة أعوام، كانت العاصمة عدن على موعد مع واحدة من أكثر اللحظات المصيرية في تاريخها المعاصر. لم تكن مجرد حرب، بل معركة وجود واختبارًا لقوة الإرادة الجنوبية في مواجهة محاولات الإخضاع والإقصاء. ففي العام 2015، اجتاحت ميليشيات الحوثي مدعومة بقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح مدينة عدن، محاولة السيطرة على مفاصلها الحيوية. لكنها واجهت مقاومة غير متوقعة من أبناء المدينة، الذين واجهوا الجحافل المدججة بالسلاح بصدور مفتوحة وإيمان لا يتزعزع.

تحولت الأحياء العدنية إلى متاريس، وتحولت البيوت إلى ثكنات، والشباب إلى مقاتلين يدافعون عن كرامة مدينتهم. وعلى امتداد أيام عصيبة، صمدت عدن في وجه الحصار والدمار، وأسقطت مشروع الهيمنة بسلاح الإرادة والوطنية. واليوم، ونحن نستحضر الذكرى العاشرة لذلك الحدث المفصلي، يبقى الوفاء لتضحيات الشهداء والمقاومين مسؤولية جماعية لا تسقط بالتقادم.

الاجتياح… واليقظة الشعبية الأولى

في مطلع عام 2015، كانت الأوضاع الأمنية والسياسية في اليمن تنحدر نحو المجهول، ومع تصاعد النفوذ الحوثي شمالًا، بدت عدن هدفًا قريبًا لمشروع السيطرة. انهيار مؤسسات الدولة في صنعاء وتوسع الجماعة المسلحة شرّع الأبواب أمام اجتياح الجنوب، وبدأت التحركات صوب العاصمة عدن. في أواخر مارس، وصلت قوات الحوثي وصالح إلى تخوم المدينة، مستهدفة المطار والميناء والقصر الرئاسي.

غير أن ما لم يكن في حسبان الميليشيات، هو أن عدن ليست مجرد جغرافيا، بل وجدان وهوية. خرج شباب الأحياء بأسلحتهم الشخصية، وشكلوا نواة مقاومة شعبية عفوية، بعيدة عن أي تنظيم عسكري رسمي. ومن رحم الفوضى، بزغ فجر المقاومة، متحديًا الإمكانيات المعدومة بالثبات والمعنويات. وفي حين انهارت كثير من المؤسسات، وقفت عدن على قدميها، مدفوعةً بروح الرفض والكرامة.

من شوارع عدن إلى ساحات الجنوب: المقاومة تتوحّد

سرعان ما تجاوزت المقاومة نطاق عدن الجغرافي، وامتدت شرارتها إلى الضالع ويافع ولحج وأبين، لتبدأ مرحلة التوحيد الميداني. لم تعد المواجهة محصورة داخل المدينة، بل أصبحت معركة جنوبية شاملة، تقودها إرادة موحدة لحماية عدن كرمز لكل الجنوب. شوارع كريتر والمعلا وخور مكسر والشيخ عثمان تحولت إلى خطوط اشتباك، تتساقط فيها القذائف وتُرسم فيها البطولات.

انضم رجال القبائل، والعسكريون السابقون، وطلاب الجامعات، والموظفون العاديون، في مشهد لم تعهده المدينة منذ عقود. لم يكن الانتماء السياسي هو الحاكم، بل الانتماء إلى الأرض. وأظهرت هذه اللحظة أن الجنوب موحد حين تهدد هويته، وأن المقاومة ليست فعلًا فرديًا، بل حركة شعبية لها امتداد اجتماعي وسياسي واسع.

ولادة المقاومة: من الشارع إلى الجبهة

المقاومة لم تأتِ بتوجيه خارجي أو بدعم منتظم، بل وُلدت في الشارع، بين الأحياء، وفي أزقة المدينة. ومع مرور الوقت، تطور العمل الميداني إلى تشكيلات شبه نظامية قادرة على إدارة المعركة. ظهرت قيادات جنوبية شابة برزت من الميدان، وكان من أبرزهم القائد عيدروس الزُبيدي، الذي أسس جبهات صلبة في الضالع والمسيمير.

مع غياب الإمدادات الرسمية، اعتمدت المقاومة على الإمكانيات الذاتية والروح الجماعية. وجرى توزيع المهام بين المتطوعين، وإنشاء نقاط إسعاف، ومراقبة، وتموين. وتدريجيًا، تحوّل العمل العشوائي إلى تنظيم فعّال، استطاع صد التوغل الحوثي، بل وتوجيه ضربات موجعة أربكت حسابات العدو.

معارك ضارية في كل زاوية

خاضت عدن معارك لا تهدأ، امتدت من كريتر إلى المعلا، ومن خور مكسر إلى الشيخ عثمان. كانت المواجهات يومية، والمواقع تتغير باستمرار. شارع مدرم في المعلا، وجسر خور مكسر، ومحيط مطار عدن الدولي، تحولت إلى ساحات اشتباك مفتوح، تملأها أصوات الانفجارات ورائحة البارود.

على الرغم من شراسة الهجوم وتنوع الأسلحة المستخدمة من قبل الميليشيات، فإن عامل الأرض كان لصالح المقاومة. استخدمت التضاريس الحضرية لمباغتة العدو، وشنت هجمات نوعية أربكت خطوط الإمداد. ومع كل اشتباك، كانت المدينة تخسر الكثير، لكنها كانت تكسب الأهم: الصمود في وجه آلة الموت، وترسيخ الإيمان بالحرية والاستقلال.

السهم الذهبي: لحظة الحسم في معركة التحرير

في 14 يوليو 2015، انطلقت عملية “السهم الذهبي” بقيادة التحالف العربي، والتي شكلت نقطة تحول في سير المعركة. جاءت العملية بعد شهور من الصمود الشعبي، لتمنح المقاومة زخمًا عسكريًا حاسمًا، عبر إسناد جوي مباشر، ودعم لوجستي وتكتيكي.شاركت وحدات إماراتية خاصة على الأرض، وبدأ الهجوم المضاد لاستعادة المدينة. في غضون أيام، بدأت جبهات الحوثيين تتهاوى، وسقطت المواقع واحدًا تلو الآخر: المطار، جبل حديد، قصر المعاشيق، وأحياء خور مكسر.

السهم الذهبي لم يكن فقط تدخلًا عسكريًا، بل كان إعلانًا واضحًا بأن عدن ليست وحدها. لقد جاء الحسم تتويجًا لصمود أسطوري، وتعبيرًا عن التقاء الإرادة المحلية بالدعم الإقليمي.

17 يوليو 2015: يوم الانتصار واستعادة العاصمة

في صباح الجمعة، 17 يوليو، الموافق 27 رمضان 1436هـ، دوّى النبأ في كل أحياء عدن: المدينة تحررت. خرج المقاومون إلى المعاشيق، رافعين أعلام الجنوب، معلنين النصر بعد معركة طويلة. الناس خرجوا إلى الشوارع باكين، محتفلين، متعانقين، متذكرين أسماء من غابوا ولم يلحقوا بهذا اليوم المجيد. أُعيد فتح الطرقات، وتوقفت أصوات الرصاص، وبدأت الحياة تتسلل من جديد إلى المدينة. لم يكن النصر مجرد لحظة عسكرية، بل تحول إلى لحظة وعي جماعي أعادت تشكيل وجدان المدينة وشخصيتها. كان يومًا سيظل محفورًا في ذاكرة الأجيال، كعلامة فارقة على طريق استعادة الكرامة.

التوثيق الإعلامي: الكاميرا شاهدة على التاريخ

وثّقت عدسات الإعلام مشاهد الحرب كما لم يحدث من قبل. ظهرت كاميرات محلية وأخرى دولية تنقل صورًا حية من ساحات القتال، وتتابع قصص المدنيين، والمقاتلين، والشهداء. مقاطع الفيديو التي وثّقت المقاومة أصبحت رموزًا للبطولة، وتحوّلت إلى مادة توثيقية خالدة تروى في كل ذكرى.

ساهم الإعلام الجنوبي، رغم تواضع الإمكانيات، في توثيق الحدث من الداخل، بكاميرات الهاتف وأقلام الصحفيين. وسُجلت مشاهد نادرة من مستشفيات ميدانية، ولقطات مباشرة من المواجهات، باتت مرجعًا بصريًا لا يُقدّر بثمن. لقد كانت الكاميرا في عدن رفيقة البندقية، وشاهدًا صادقًا على بطولة لا تنطفئ.

المواقف الشعبية: تلاحم غير مسبوق في زمن النار

تميزت ملحمة تحرير عدن بأنها لم تكن فقط معركة عسكرية، بل تلاحمًا شعبيًا نادرًا. النساء شاركن في الإمداد، والإسعاف، وتحضير الطعام، وتحويل البيوت إلى مراكز إيواء. الأطفال والمسنون كانوا جزءًا من مشهد المقاومة، بالمراقبة، أو بالرسائل، أو بتوفير المعلومة. المساجد استُخدمت كمقرات دعم، والمنظمات المجتمعية الصغيرة أدّت دورًا كبيرًا في إسعاف المصابين. لم يكن هناك قائد أعلى يوجه الناس، بل وعي جمعي يُلهمهم. تحولت عدن إلى خلية وطنية موحدة، فيها كل فرد يقاتل بطريقته، من أجل الهدف ذاته.

ما بعد التحرير… تحديات لم تتوقف

النصر كان بداية لمرحلة جديدة لا تقل صعوبة. بدأت المدينة تلملم جراحها، وتواجه واقعًا خاليًا من الدولة، ومثقلًا بالتحديات الأمنية والخدمية. ورغم صعوبة الظروف، تحركت جهود فردية ومجتمعية لإعادة فتح المدارس، وترميم المستشفيات، وإعادة الخدمات.

لكن استمرار الفوضى السياسية، وتعدد السلطات، وضع عدن أمام اختبار جديد: اختبار بناء ما بعد الحرب. واجه السكان أزمات الماء والكهرباء، وارتفاع الأسعار، والتدهور الاقتصادي، لكنهم ظلوا متمسكين بالأمل، ومؤمنين أن من صمد أمام الحرب، لن يهزمه سوء الإدارة.

الذكرى العاشرة: استحضار الروح ومسؤولية الاستمرار

عشر سنوات مضت على تحرير عدن، لكنها لا تزال حاضرة في ذاكرة المدينة وأهلها. هذا النصر الذي صُنع بدماء الشهداء، لا يمكن أن يتحول إلى ذكرى عابرة أو حدث احتفالي. إنه مسؤولية وطنية تفرض على الجميع الحفاظ على المكتسبات، والعمل على تحويل التضحيات إلى مشروع سياسي ناضج. الجنوب اليوم مطالب بإعادة قراءة تلك اللحظة الفارقة، واستخلاص العِبر منها، والبناء عليها.

فعدن التي انتصرت بالسلاح، تستحق أن تنتصر بالتنمية، والعدالة، والوحدة، والمؤسسات. في الذكرى العاشرة، تتجدد الدعوة لكل القوى الجنوبية إلى التكاتف، من أجل جنوب آمن، مستقر، وحر، يليق بمن قدّموا حياتهم لأجله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى