فضيحة كبرى تهز قطاع النفط اليمني: استقالة رئيس هيئة استكشاف وإنتاج النفط وسط اتهامات بالتواطؤ والفساد

الأحقاف نت / تقرير خاص / 7 مارس 2025م

في خطوة غير مسبوقة هزّت قطاع النفط اليمني، قدم رئيس هيئة استكشاف وإنتاج النفط، خالد باحميش، استقالته رسميًا، كاشفًا عن سلسلة من الخروقات القانونية والتجاوزات التي تورطت فيها وزارة النفط والمعادن، وعلى رأسها التواطؤ في تسهيل انسحاب شركة OMV النمساوية من أحد أهم القطاعات النفطية في البلاد دون الالتزام ببنود الاتفاقية. أثارت الاستقالة جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية والسياسية، خصوصًا بعد أن أشار باحميش إلى أن القرار تم بدوافع غير مبررة، وبتجاهل تام للمصلحة الوطنية، مما قد يتسبب في خسائر فادحة لخزينة الدولة، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية خانقة.

تأتي هذه الاستقالة في سياق صراع متصاعد داخل أروقة وزارة النفط، حيث أشار باحميش إلى أن هناك توجهًا متعمدًا لإضعاف هيئة استكشاف وإنتاج النفط، رغم أنها الجهة القانونية المخولة بالإشراف على الشركات النفطية الأجنبية العاملة في اليمن. ولفت إلى أن الوزارة سعت إلى تهميش دور الهيئة، عبر تشكيل لجان حكومية غير قانونية موازية، في خطوة اعتبرها مؤشرًا على محاولة سحب الصلاحيات من المؤسسة الرسمية، وتسليمها إلى جهات أخرى قد لا تمتلك الكفاءة اللازمة لإدارة هذا القطاع الحيوي، مما يفتح المجال لمزيد من الفوضى والفساد داخل المنظومة النفطية.

وأشار باحميش في استقالته إلى أن وزارة النفط لم تكتفِ بهذه التجاوزات، بل أقدمت على إهدار المال العام بشكل صارخ من خلال التعاقد مع محامٍ دولي سبق أن خسر خمس قضايا متتالية، ومع ذلك، أصرت الوزارة على الاستمرار في الاستعانة بخدماته، في خطوة أثارت تساؤلات عن دوافع هذا القرار. كما انتقد بشدة تعاقد الوزارة مع شركات مراجعة مالية دولية رغم أن وزير النفط الحالي يحمل درجة الدكتوراه في المحاسبة، الأمر الذي يطرح علامات استفهام حول أسباب الإصرار على هذه النفقات غير الضرورية، والتي قد تعكس وجود مصالح غير معلنة أو سوء إدارة واضح للموارد المالية.

كما شملت الاتهامات التي فجّرها باحميش في استقالته قرار رئيس الوزراء بتشكيل لجنة جديدة لمتابعة قضية OMV، معتبرًا أن ذلك يمثل تجاوزًا صارخًا للصلاحيات القانونية المخولة للهيئة. وأوضح أن هذا القرار لم يكن مجرد خطأ إداري، بل خطوة مقصودة تهدف إلى تقويض دور الهيئة وإدخال أطراف جديدة في الملف، مما قد يؤدي إلى مزيد من التعقيدات القانونية والمالية. وتساءل عن الأسباب الحقيقية وراء هذا القرار، مشيرًا إلى أنه ربما يكون جزءًا من ترتيبات أوسع تهدف إلى إعادة توزيع الامتيازات النفطية بطرق مشبوهة.

فيما يتعلق بالإجراءات المستقبلية للوزارة، حذّر باحميش من مساعٍ حثيثة لإنشاء شركات محلية جديدة لإدارة القطاعات النفطية التي تنسحب منها الشركات الأجنبية، لكنه أكد أن هذه الخطوة لا تتم وفق الأطر القانونية المعتمدة، مما قد يؤدي إلى فتح الباب أمام عمليات فساد واسعة. وأكد أن هذا المسار قد يكون محاولة لمنح امتيازات بطريقة غير شفافة، ما قد يؤدي إلى استنزاف إضافي للثروة النفطية اليمنية لصالح فئات محدودة، بدلاً من توجيهها لدعم الاقتصاد الوطني.

من بين القضايا التي سلط الضوء عليها أيضًا، مسألة التحريض على الإضرابات داخل الهيئة، حيث أشار إلى أن الوزارة قامت بدعم رئيس نقابة منتهية الصلاحية منذ عامين، وشجعته على عرقلة الانتخابات النقابية، مما تسبب في خلق حالة من الفوضى داخل المؤسسة. وأوضح أن هذا التحريض لم يكن عفويًا، بل جاء كجزء من استراتيجية تهدف إلى زعزعة استقرار الهيئة، وإيجاد مبررات قانونية لتمرير قرارات أخرى من شأنها تقليص نفوذ الهيئة على قطاع النفط.

كما كشف باحميش عن ضغوط هائلة تعرضت لها الهيئة من قبل وزارة النفط، لإجبارها على صرف مبالغ مالية ليست من ضمن مسؤولياتها القانونية. وأوضح أن الهيئة نجحت في تحصيل مستحقات مالية كبيرة من شركة OMV عن خمس سنوات سابقة، لكن الوزارة طالبتها باستخدام هذه الأموال لصرف رواتب لجهات أخرى، وهو ما اعتبره محاولة لفرض التزامات مالية غير قانونية على الهيئة، في خطوة قد تؤثر على قدرتها التشغيلية، وتفتح المجال أمام مساءلة قانونية في المستقبل.

من القضايا الأكثر إثارة للجدل في هذه الاستقالة، ما أشار إليه باحميش حول تأثير الوجود الطويل لوزير النفط خارج البلاد على قراراته. وقال إن الوزير أمضى فترات طويلة في الخارج، حيث كان على تواصل مباشر مع بعض الشركات النفطية، وهو ما أدى إلى تغيير موقفه من قضية OMV، والسماح لها بالانسحاب دون تطبيق الشروط المنصوص عليها في الاتفاقية. وألمح إلى أن هذا التغيير في الموقف ربما لم يكن نتيجة قناعة مهنية، بل نتيجة عوامل أخرى تتطلب تحقيقًا شفافًا لكشف دوافعها.

تفتح هذه الاستقالة الباب أمام العديد من التساؤلات حول مدى التزام الحكومة اليمنية بالشفافية في إدارة القطاع النفطي، وما إذا كانت هناك نية فعلية لمحاسبة المسؤولين عن هذه التجاوزات. وفي ظل استمرار الأزمة الاقتصادية في البلاد، يصبح من الضروري فتح تحقيق جاد في هذه الاتهامات، ليس فقط لاستعادة الثقة في المؤسسات الرسمية، ولكن أيضًا لضمان عدم استمرار الفساد في قطاع يعتبر أحد أهم الموارد الاقتصادية للبلاد. ومع تصاعد الضغوط المحلية والدولية، تبقى الأنظار موجهة نحو الحكومة، لمعرفة ما إذا كانت ستتخذ إجراءات فعلية لمعالجة هذه الفضيحة، أم أن الفساد سيظل القاعدة السائدة في إدارة قطاع النفط اليمني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى