مركز الأحقاف للدراسات الأستراتيجية والإعلام يصدر دراسة حول : التوازن الإقليمي .. بعد سقوط النظام السوري وتأثيرات التغيرات الإقليمية على موقف القوى الأخرى من جماعة الحوثي

الأحقاف نت / خاص / 1 مارس 2025م

المقدمة

يعتبر توازن القوى أساسًا لمعادلة التوازن على كافة المستويات، وأهمها الأمني. فأصبح الصراع في اليمن، إلى جانب الحرب السورية، نقطة ارتكاز جديدة للصراعات الإقليمية الكبرى، حيث دخلت دول الخليج العربي، بقيادة السعودية، في حرب مباشرة ضد الحوثيين. هذا التدخل العسكري السعودي كان يهدف إلى دعم الحكومة الشرعية في اليمن، ولكن في الوقت ذاته كان يحمل أبعادًا طائفية وجيوسياسية، حيث مثلت الحرب ساحة صراع بين التحالف السني الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وبين المحور الشيعي الذي تقوده إيران. وعلى الرغم من أن السعودية وحلفاءها قد استطاعوا تحقيق بعض الانتصارات العسكرية، إلا أن الحرب في اليمن استمرت في تأجيج الصراع الطائفي وتفاقم الأزمات الإنسانية في البلاد. ومن الناحية الاقتصادية، فقد كانت التغيرات في التوازن الإقليمي نتيجة للصراع السوري والتمدد الحوثي في اليمن، لها تداعيات كبيرة على الاقتصادات الإقليمية. ففي سوريا، أدت الحرب إلى تدمير البنية التحتية بشكل كامل تقريبًا، مما أدى إلى تراجع الاقتصاد السوري إلى مستويات غير مسبوقة. وفي اليمن، تسببت الحرب الدائرة هناك في تدمير الاقتصاد اليمني وأثرت بشكل بالغ على حياة ملايين الأشخاص.

توازن القوى الدولي

التوازن الدولي مبدأ أو سياسة تتبعها دولة أو تحالف دولي، في مواجهة دولة أو تحالف دولي آخر، بحيث لا يتاح لدولة مع حليفاتها الاستئثار بالنفوذ الدولي وفرض سيطرتها على باقي الدول. إن التحولات الجذرية التي طرأت على النظام الدولي، بفعل تداعيات العولمة التي مست كافة الميادين، أدت إلى واقع أن كلما كانت الدولة قادرة على السيطرة أو التأثير بشكل كبير على أكبر عدد ممكن من أشكال العولمة، زادت قدرتها على السيطرة والانفراد بإدارة شؤون العالم، أي كلما كانت كفة توازن القوى لصالحها. لقد أثر زوال الاتحاد السوفييتي بعمق على تغير ميزان القوى، وبات النموذج في مفترق طرق. فأصبحت أغلب الدول محصورة بين الهيمنة الأمريكية وتناقضاتها الداخلية، مما دفع بعضها إلى التكتل وبقي البعض الآخر يواجه مصيره العسير.

الجمهورية العربية السورية

دولة عربية تقع في جنوب غرب آسيا على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، يحدها من الشمال تركيا، ومن الشرق العراق، ومن الغرب لبنان والبحر المتوسط، ومن الجنوب الأردن وفلسطين. سوريا هي إحدى مراكز إنتاج النفط في منطقة الخليج العربي. عاصمة سوريا هي دمشق، المدينة العريقة التي يطلق عليها “بوابة التاريخ”، ويعرف بأنها مأهولة منذ 8000 إلى 10000 عام قبل الميلاد، وبهذا تكون أول وأقدم عاصمة مأهولة بالسكان في التاريخ باستمرار، ومن أقدم المدن في العالم. تقسم سوريا إلى 14 محافظة، وهي: محافظة دمشق وهي عاصمة الجمهورية العربية السورية، ويبلغ عدد سكانها حوالي 1.6 مليون نسمة، ولها في مجلس الشعب 29 مقعدًا. ومحافظة ريف دمشق التي تحيط بالعاصمة دمشق من جميع الجهات، وكانت تسمى سابقًا محافظة حوران. مساحة المحافظة 4000 كم²، وهي عبارة عن سهل يعرف بسهل حوران، ويبلغ عدد سكان محافظة درعا ما يقارب مليون نسمة، يعتمد غالبية سكان المحافظة على الزراعة.

الأزمة السورية

في نهاية القرن العشرين، دعا مثقفون سوريون في سبتمبر 2000 إلى إطلاق سراح سجناء سياسيين وإلغاء حالة الطوارئ التي فرضت منذ عام 1963. وبعدها أطلق المعارضون السوريون “إعلان دمشق” في أكتوبر 2005، الذي عُد أول بيان صريح ضد الحكومة.

سقوط النظام السوري

الحرب التي نعنيها، بعد سنوات على بدء الصراع في سوريا، تشمل جبهات قتال ومعارك وأصوات سيارات الإسعاف التي تحمل الجرحى والمصابين، والبنادق الملطخة بالدماء. وإن كانت لا تزال مستعرة في أجزاء من الشمال السوري، مع هدوء متقطع، يُسمى مجازًا بـ”هدنة” أو “وقف لإطلاق النار” في 5 مارس 2020، بناءً على اتفاق بين تركيا وروسيا في موسكو. إلا أن وقف إطلاق النار ما زال ضعيفًا في إدلب. ففي الوقت الذي يتعرض فيه تنفيذ الاتفاق لاستفزازات الجماعات المتطرفة في إدلب، تتواصل من جهة أخرى حملات زيادة التوتر ومضايقات نظام الأسد المدعوم من روسيا. وبين الإفساد والتخريب الذي يمارسه الطرفان، تواصل كل من تركيا والمعارضة السورية جهودهما من أجل ضمان وقف إطلاق النار في إدلب، وحماية المنطقة، والمحافظة على سلامة حياة ما يقرب من ثلاثة ملايين مدني يعيشون فيها. وعلى الرغم من أن هذه العملية تتم بتنسيق وثيق مع الإدارة في موسكو، فإن تقييم روسيا المؤقت للوضع الراهن في إدلب واعتمادها الحل العسكري كهدف استراتيجي رئيسي، هو أحد أكبر العقبات أمام استمرارية وقف إطلاق النار واستدامته.

التغيرات في التوازن الإقليمي بعد سقوط النظام السوري

يتجاوز التغيير في سوريا جغرافيتها إلى مجمل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط واتجاهاته المستقبلية، ويتزامن ذلك مع قيادة ترامب للإدارة الأمريكية، مما يطرح كيفيات استجابة دول الإقليم لهذا التغيير، خاصة بعد صعود دور تركيا وتراجع دور إيران وتأكيد دور إسرائيل، مما قد يدفع إلى تشكيل منظومة أمن إقليمي في الشرق الأوسط. سقط نظام الرئيس السوري بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، بعد 13 عامًا من الصراع مع قوى المعارضة السورية، وبعد 24 عامًا من احتكار الأسد الابن للسلطة. ففي 8 ديسمبر 2024، بدأت العديد من الدول الاتصالات وترتيب الزيارات بمستويات مختلفة مع الإدارة السورية الجديدة وقائدها أحمد الشرع في دمشق، لنقاشها أو إظهار الدعم لها، خاصة بعد إظهار إدارة الشرع حرصها على نقل السلطة بشكل سريع من حكومة محمد غازي الجاللي التي كانت مفوضة من النظام السابق، إلى حكومة جديدة تم تكليفها برئاسة محمد البشير.

تأثير التغيرات الإقليمية على جماعة الحوثي

سقوط نظام بشار الأسد في سوريا يمثل تحولًا جوهريًا في الديناميكيات الإقليمية، ويمكن أن يؤثر بشكل كبير على الجماعات المسلحة والنفوذ الإيراني في المنطقة، بما في ذلك الحوثيين في اليمن. فإن سقوط نظام بشار الأسد شكل صدمة كبرى لجماعة الحوثيين الذين وجدوا أنفسهم أمام تحديات مصيرية حول مستقبلهم. حيث إن التحديات التي واجهها نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد في سوريا برزت التساؤل عما إذا كان الحوثيون في اليمن سيواجهون مصيرًا مشابهًا، وتعاطيهم مع تداعياته كشف عن ارتباك وتناقض واضحين. ففتحت الأحداث المتسارعة في سوريا باب التطلعات في اليمن نحو سيناريو مشابه يقود إلى إنهاء تواجد الجماعة الحوثية المدعومة من إيران بأقل التكاليف، خصوصًا بعد الضربات التي تلقتها طهران في لبنان.

تأثيرات التغيرات الإقليمية على موقف القوى الأخرى من جماعة الحوثي

تابع الحوثيون بقلق وترقب مآلات العملية العسكرية التي أطلقتها فصائل المعارضة السورية ضد حليفهم النظام السوري تحت اسم “ردع العدوان” في 27 نوفمبر 2024. وتم من خلال هذه العملية إسقاط وهزيمة بشار الأسد عن الحكم في سوريا. وذلك في ظل هذه المتغيرات الجيوسياسية التي قد تؤثر على النفوذ الإيراني في المنطقة، ومع انهيار وتحطم معظم أضلاع ما تسمى بـ”محور المقاومة” المدعوم من قبل إيران.

موقف التحالف العربي

تحرير سوريا يجعل إيران بحاجة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، مما قد يقلل من مواردها الموجهة لدعم الحوثيين. ومع هذا التراجع للنفوذ الإيراني، يمنح التحالف العربي فرصة لتوسيع عملياته ضد الحوثيين وتضييق الخناق عليهم عسكريًا واقتصاديًا. ولن تقبل دول التحالف باستمرار حكم الحوثيين كأمر واقع. في الوقت ذاته، قد تلجأ إلى سيناريو تدخل عسكري شامل على غرار ما حدث في سوريا. فإن القضاء على الجماعة الحوثية يضعف المحور الإيراني ويمهد الطريق لتعزيز نفوذ الدول المناهضة له. ومع هزيمة نظام الأسد في سوريا وحزب الله في لبنان وعزلته المتزايدة.

موقف الولايات المتحدة الأمريكية

بعد أن أطاحت قوات المعارضة السورية بحكومة بشار الأسد المدعومة من طهران في دمشق، هبت على إثرها رياح التغيير في اليمن. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يعيد ترامب سياسة “الحد الأقصى للضغط” التي فرضتها إدارته في ولايته الأولى على إيران. من خلال أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إدراج جماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية.

موقف إيران

مع سقوط نظام سوريا وهزيمة حزب الله في لبنان، يتحول الاهتمام الإيراني إلى الحوثيين في اليمن باعتبارهم القوة الإيرانية الأقوى المتبقية في المنطقة والأكثر نشاطًا من حيث هجماتهم على إسرائيل وأيضًا على سفن الشحن الدولي وحركة التجارة العالمية في البحر الأحمر.

التأثيرات المستقبلية على الصراع في اليمن

في خضم التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة العربية، يبقى الصراع في اليمن واحدًا من أكثر النزاعات تعقيدًا وتأثيرًا على استقرار الشرق الأوسط. هذا الصراع، الذي بدأ في عام 2014 بعد اجتياح الحوثيين لصنعاء، ومنذ ذلك الحين تطور الصراع إلى حرب أهلية طويلة الأمد، مما أسفر عن خسائر بشرية ومادية هائلة وأزمة إنسانية كارثية. في هذا السياق، تبرز العديد من الأسئلة حول مستقبل الصراع في اليمن، خاصة في ظل التغيرات الإقليمية التي قد تطرأ في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، والذي يمثل أحد أبرز القضايا الجيوسياسية في المنطقة. فإن سقوط نظام الأسد، الذي كان يُعتبر أحد أضلاع مثلث التحالف الإيراني في المنطقة، يحمل في طياته تداعيات عميقة على الأوضاع الإقليمية، لا سيما في اليمن الذي يبدو فيه الوضع قابلًا للانفجار أكثر من أي وقت مضى. ومع تصاعد وتيرة الصراع واليأس من إمكانية الحل السياسي للأزمة.

لتحميل المادة كاملا من هنا 👇

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى