رفض حضرمي لمشاريع الهيمنة والتفاف حول البحسني كحارس للهوية الجنوبية

الأحقاف نت | متابعات

بعد ثلاثين عامًا من تزييف الإرادة.. حضرموت توحد صفها لاستعادة القرار

صراع النفوذ والتحولات التي تعصف بحضرموت تشير خلال الأيام الماضية إلى أن اللواء الركن فرج سالمين البحسني يعد اللاعب الأكثر حضورًا وتأثيرًا في معادلة القوة داخل المحافظة، وسط حالة من التوتر السياسي وصراع الأقطاب الذي بدأ يتخذ طابعًا أكثر وضوحًا مع تصاعد الاتهامات بتعطيل قرارات مجلس القيادة الرئاسي، وما ترتب على ذلك من ارتدادات أمنية وسياسية باتت تهدد نموذج الاستقرار الذي عُرفت به حضرموت لسنوات طويلة.

البيان الصادر عن قادة المنطقة العسكرية الثانية وأعضاء اللجنة العسكرية العليا وقادة الشعب يؤكد أن هناك اصطفافًا واضحًا حول شخصية البحسني، بوصفه القائد الأكثر قبولًا داخل البنية العسكرية والاجتماعية في المحافظة. هذا الالتفاف يأتي في لحظة حساسة يشعر فيها الحضارم بأن مركز القرار في الحكومة يتباطأ في تنفيذ الإجراءات المتوافق عليها، كما أشار البحسني في تصريحه الأخير عندما حمّل رئيس مجلس القيادة المسؤولية الكاملة عن تعطل القرارات وتفاقم الاضطرابات.

يعد هذا الموقف الجماعي للقادة العسكريين مؤشرًا على تحوّل مهم في ميزان القوى داخل حضرموت؛ فالمحافظة التي اشتهرت برصانتها وعمق مؤسساتها العسكرية تجد نفسها اليوم أمام موجة من التحديات التي تهدد وحدتها الداخلية، الأمر الذي جعل كثيرًا من القوى والمكونات تعتبر البحسني خط الدفاع الأول في مواجهة أي محاولات لزعزعة الاستقرار أو فرض نفوذ يتجاوز إرادة أبناء المحافظة.

ويستند هذا الالتفاف إلى رصيد طويل للبحسني في قيادة الملفات الأمنية والعسكرية والإدارية، وهو رصيد جعله، منذ أن كان محافظًا وقائدًا للمنطقة الثانية، شخصية تمتلك ثقة القبائل والمجتمع المدني والقوى المحلية التي ترى فيه ضمانة للحفاظ على نموذج حضرموت، الذي طالما قُدم كأكثر مناطق البلاد قدرة على ضبط الأمن وتسيير المؤسسات بقدر عالٍ من الانضباط والاتزان.

انخراط القيادات العسكرية في دعم خطوات البحسني يؤشر كذلك إلى أن حضرموت لم تعد تنظر إلى الصراع بوصفه خلافًا سياسيًا اعتياديًا، بل كمعركة وجود تتعلق بمنع أي جهة داخلية أو خارجية من العبث بالبنية الأمنية أو التأثير على سيادة المؤسسات. ولهذا جاء بيانهم صريحًا في التأكيد على استعدادهم لاتخاذ ما يلزم لمواجهة أي تهديدات، ورفضهم الوقوف متفرجين أمام ما يعتبرونه محاولة للإخلال بالأمن العام أو تجاوز صلاحيات السلطة المحلية.

في المقابل فإن تحميل البحسني لرئيس مجلس القيادة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع يوضح حجم الاحتقان داخل مؤسسة القرار، ويكشف عن صراع أعمق يتجاوز حدود حضرموت ليبلغ بنية السلطة في العاصمة عدن. فتعطيل القرارات المتوافق عليها فتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين النفوذ، الأمر الذي اعتبره البحسني “عبثًا سياسيًا” يستوجب خطوات تصحيحية قد تصل إلى اتخاذ قرارات أحادية بالتنسيق مع أعضاء المجلس، وهو تطور يعكس مدى تصلب المواقف وعمق الأزمة.

هذا الحراك المتصاعد يضع حضرموت في قلب المشهد الوطني، ويجعل من شخصية البحسني محورًا للتفاعلات السياسية المقبلة، خصوصًا مع تزايد الدعوات لإعادة الاعتبار للقيادات العسكرية وإعادة تفعيل المؤسسات وفق ما تراه القوى الحضرمية ضرورة لحماية الإرث الأمني والعسكري للمحافظة. وبينما تستمر الضغوط على القيادة العليا لاتخاذ قرارات حاسمة، يبدو أن حضرموت تمضي نحو إعادة رسم خطوط النفوذ من جديد، مستندة في ذلك على شخصية تحظى بقبول واسع وقدرة على جمع الأطراف حول مشروع واحد: منع انزلاق المحافظة نحو الفوضى، والحفاظ على مكانتها كنموذج للاستقرار وسط بلد مضطرب.

كل هذه المواقف تبرز حقيقة ثابتة تتردد بوضوح في المزاج العام بحضرموت.. حقيقة مفادها أن الحضارم يبحثون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، عن منقذ يعيد الاعتبار لإرادة حضرموت التي جرى تهميشها وإخضاعها لسياسات الهيمنة منذ قيام الوحدة اليمنية قبل ثلاثة عقود. فالحضارم الذين عانوا من تزييف الصوت السياسي، ومصادرة القرار المحلي، وتفريغ مؤسساتهم من مضمونها، باتوا يرون أن اللحظة الراهنة تتيح لهم إعادة صياغة موقعهم داخل المعادلة الوطنية، بعيدًا عن الوصاية التي فُرضت عليهم لعقود وتسببت في حرمانهم من إدارة مواردهم ومنافسة القوى التقليدية التي سيطرت على القرار المركزي. ولذلك لم يكن الالتفاف حول البحسني مجرد تأييد لشخص، بل تعبيرًا عن تطلع جماعي لقيادة قادرة على حماية هوية حضرموت الجنوبية والحيلولة دون أي مساعٍ لاقتطاع المحافظة أو جرّها إلى مشاريع التجزئة التي يُنظر إليها كامتداد لذات السياسات التي دفعت حضرموت نحو التهميش.

يكاد يجمع الطيف الحضرمي بمكوناته القبلية والمدنية والعسكرية على رفض أي محاولة لفرض واقع جديد يتجاوز إرادة الناس، أو يعيد إنتاج الوصاية المركزية بأشكال مختلفة، وهو ما جعلهم يتشبثون بقيادة تتمتع بالقبول الشعبي وبالقدرة على مواجهة الضغوط، وفي مقدمة هؤلاء اللواء البحسني الذي يرونه الأقرب للتعبير عن مشروع حضرمي جامع يرفض العبث بالهوية الجنوبية ويرفض إخضاع المحافظة لمعادلات النفوذ القادمة من خارجها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى