التعليم بين فكي الغلاء والفشل الحكومي .. رسوم المدارس الأهلية تذبح المواطن في عدن

الأحقاف نت / تحقيق خاص / 11 سبتمبر 2025م

احتجاجات تكشف المستور

في عدن، خرج طلاب كلية العلوم والتكنولوجيا في احتجاجات واسعة، معلنين إضرابًا عن الدراسة. لم يكن هذا الحدث مجرد أزمة عابرة في مؤسسة تعليمية، بل جاء كجرس إنذار صاخب يكشف هشاشة السياسات الحكومية في التعامل مع قطاع التعليم الأهلي، وعجزها عن تقديم حلول تخفف عن كاهل المواطن المنهك. الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها حكومة الدكتور سالم بن بريك لم تجلب سوى المزيد من المعاناة، لتصبح الدراسة حلمًا بعيد المنال أمام آلاف الأسر.

خلفية اقتصادية: سياسات بلا أرضية

السياسات التي روّجت لها الحكومة كـ“إصلاحات” اقتصادية، لم تكن سوى قفز في الهواء بلا مظلة. إذ لم تُبنَ على أساس اقتصادي متين، ولم تربط الأجور بالعملة الأجنبية كما طالب خبراء اقتصاديون مرارًا. النتيجة أن الرواتب بالريال اليمني أصبحت بلا قيمة حقيقية، فيما تضاعفت كلفة الخدمات الأساسية والتعليم.

خذ المثال الأقرب: موظف في مدرسة خاصة يتقاضى 200 ألف ريال يمني. كان هذا المبلغ يعادل قبل سنوات نحو 250 ريالاً سعوديًا، أما اليوم فهو يتجاوز 500 ريال سعودي. هذا الخلل انعكس مباشرة على رسوم التعليم التي ارتفعت بالعملة المحلية المنهارة، حتى باتت الأسر عاجزة عن الدفع.

واقع مرير: المواطن بين نارين

الأرقام وحدها تكفي لتوضيح الكارثة:

مدرسة خاصة في المعلا كانت رسومها 600 ألف ريال يمني، ارتفعت اليوم إلى مليون ومائة ألف ريال يمني، أي أكثر من 2000 ريال سعودي.

رسوم كلية خاصة كانت تعادل سابقًا “ألف ريال سعودي”، تضاعفت لتصبح أضعاف ذلك، بحجة انهيار العملة المحلية.

النتيجة: المواطن البسيط، الذي كان يجد في المدارس الخاصة ملاذًا بديلًا عن الانهيار الحكومي، بات الآن أمام خيارين أحلاهما مر: إمّا أن يقاطع التعليم الأهلي، أو ينهار تحت وطأة الديون والرسوم الباهظة.

شهادات من الميدان: الغضب يتصاعد

أحد أولياء الأمور قال لـ”الأحقاف نت”:

“لم نعد نحتمل. راتبي بالكاد يغطي المعيشة، والرسوم المدرسية تضاعفت بلا رحمة. الحكومة غائبة، نحن ضحية الطرفين.”

خبير تربوي من عدن أضاف:

“المؤسسات التعليمية الأهلية تمارس الجشع، لكن السبب الحقيقي هو غياب الدولة. عندما تنهار السياسات النقدية، يصبح التعليم سلعة يتحكم بها السوق، لا حقًا من حقوق المواطن.”

أبعاد سياسية واقتصادية: مسمار في نعش الدولة

هذا الملف لا يتوقف عند حدود التعليم. فرفع الرسوم يعكس سياسة حكومية مترنحة، تنفق ملايين الدولارات على الإعلام والترويج السياسي بينما يتداعى الاقتصاد. استمرار هذه الفوضى يهدد ليس فقط قطاع التعليم، بل النسيج الاجتماعي بأكمله. كيف يمكن الحديث عن مستقبل أو استقرار، بينما شريحة الطلاب – وقود التنمية – تُدفع قسرًا خارج مقاعد الدراسة؟

الحلول المطروحة: خيارات مؤلمة

أمام هذا الواقع، تطرح عدة حلول تبدو جميعها مُرّة:

1. التراجع عن الإجراءات الاقتصادية الأخيرة وربط الرواتب بالعملات الأجنبية، لتقليل التضخم في الرسوم الدراسية.

2. إلزام المدارس الخاصة باعتماد رسوم ثابتة تعادل ما قبل انهيار العملة، حتى لو تطلّب ذلك تخفيض رواتب المعلمين.

3. تفعيل المدارس الحكومية برسوم رمزية تُوجّه مباشرة لدعم المعلمين، بحيث تُفتح أبواب المدارس أمام الجميع، وتُجبر المدارس الأهلية على خفض أسعارها.

السؤال الجوهري: دولة أم واجهة إعلامية؟

تبقى المعضلة الأهم: هل نحن أمام حكومة تُدرك مسؤولياتها وتسعى لحلول جذرية، أم أمام سلطة شكلية تلهث وراء تلميع الصورة؟ في ظل استمرار الاحتجاجات وتفاقم الأزمة، يبدو أن الوقت يداهم الجميع. التعليم في اليمن لم يعد مجرد ملف خدمي، بل معركة وجود تمس الأمن الاجتماعي والاقتصادي، وقد تحدد مصير أجيال كاملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى