مأرب والمهرة تتمردان ماليًا: مليارات الريالات خارج قبضة مركزي عدن

الأحقاف نت / تقرير خاص / 21 أغسطس 2025م
دخلت الأزمة المالية في اليمن مرحلة أكثر تعقيدًا بعد أن كشفت مصادر رسمية مطلعة عن استمرار سلطات مأرب والمهرة في الامتناع عن توريد الإيرادات المالية إلى البنك المركزي اليمني في العاصمة عدن. هذا الامتناع لم يعد مجرد تجاوز إداري، بل أصبح يُنظر إليه على أنه تمرد مالي علني يضرب في صميم الجهود الحكومية لإنقاذ الاقتصاد الوطني المتهالك. فعلى الرغم من القرارات الصادرة من رئيس الوزراء مؤخرًا، والتي نصت بوضوح على إلزام جميع المحافظات المحررة بتوحيد الإيرادات في خزينة البنك المركزي بعدن، إلا أن سلطات مأرب والمهرة تواصل تحديها الصارخ لهذه القرارات، ما يضع الحكومة أمام معضلة وجودية تهدد مشروع الإصلاحات الاقتصادية بالكامل. هذا الوضع المتفاقم لا يعني فقط استمرار الفوضى المالية، بل يفتح الباب أمام تكريس الانقسام وتفتيت السيادة الاقتصادية للدولة.
تجاهل متعمد لقرارات الحكومة
قرار رئيس الوزراء بإلزام كافة السلطات المحلية بتوريد الإيرادات إلى مركزي عدن لم يكن قرارًا عابرًا، بل جاء بعد نقاشات طويلة وتقييم شامل للواقع الاقتصادي الذي ينهش جسد البلاد. ورغم وضوح القرار وأهميته في ضبط الإيرادات العامة والحد من الفساد، إلا أن مأرب والمهرة تجاهلتا هذه التوجيهات بشكل متعمد. هذا التجاهل لا يفسَّر إلا في إطار غياب الولاء للمنظومة المركزية، وتفضيل المصالح الخاصة والجهوية على حساب المصلحة الوطنية العليا. تجاهل قرار حكومي بهذا الحجم يمثل تحديًا مباشرًا لسلطة الدولة ويُظهر بجلاء أن هناك قوى نافذة في المحافظتين لا ترى في الدولة إلا غطاء شكليًا تستظل به لتحقيق مكاسب مالية خاصة. وفي الوقت الذي تبذل فيه الحكومة جهودًا مضنية لإقناع المجتمع الدولي بدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي، تأتي مثل هذه التصرفات لتُضعف موقفها وتعرضها لفقدان المصداقية داخليًا وخارجيًا.
سنوات من الامتناع واللاشفافية
ما يزيد خطورة هذه القضية هو أن الامتناع عن توريد الإيرادات ليس حدثًا جديدًا، بل هو ممارسة متجذرة استمرت لسنوات طويلة في مأرب والمهرة، وسط صمت رسمي مريب وغياب كامل للشفافية. خلال هذه السنوات، لم يقدم أي طرف في المحافظتين كشفًا علنيًا يوضح مصير تلك الأموال الطائلة التي كان من المفترض أن تدخل في حسابات البنك المركزي لدعم الاقتصاد الوطني. هذه الحالة من الغموض المالي غذّت الشكوك لدى الشارع اليمني، ودفعت المراقبين للتساؤل: إلى أين تذهب هذه الأموال؟ ومن المستفيد الحقيقي منها؟ استمرار هذه الممارسات غير القانونية خلق انقسامًا ماليًا داخل المناطق المحررة، حيث بات لكل محافظة “مركز مالي مستقل” بعيدًا عن الدولة، مما يعزز تفكك الدولة ويمهد لانهيار شامل في البنية الاقتصادية والسياسية.
مليارات خارج السيطرة الرسمية
تشير المعلومات الموثوقة إلى أن محافظتي مأرب والمهرة أصبحتا بمثابة “صناديق مالية مغلقة” تديرها جهات نافذة تستحوذ على مليارات الريالات شهريًا. ففي مأرب، التي تعد أكبر مصدر للنفط والغاز، يتم الاستحواذ على عائدات ضخمة تقدر بمليارات الريالات دون أن تدخل إلى البنك المركزي. هذه الأموال لا يعرف الشعب اليمني ولا حتى مؤسسات الدولة كيف تُدار وأين تُصرف، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول حجم الفساد القائم. وفي المهرة، تسيطر جهات مماثلة على عائدات المنفذ الحدودي مع سلطنة عمان، إلى جانب موارد المحافظة الأخرى من جمارك وضرائب وعوائد موانئ. كل هذه الأموال تذهب إلى حسابات غير معلنة، مما يعكس وجود اقتصاد موازي منفصل عن الدولة. خطورة هذا الوضع أنه يحرم الدولة من أهم مصادر تمويلها، ويفسح المجال أمام ممارسات الفساد والعبث بالمال العام بلا رقيب أو حسيب.
كارثة اقتصادية تهدد الإصلاحات
يرى خبراء الاقتصاد أن ما يحدث في مأرب والمهرة ليس مجرد مخالفة مالية، بل هو كارثة اقتصادية صامتة تهدد بانهيار ما تبقى من أمل في إنجاح برنامج الإصلاحات. فالبنك المركزي في عدن، الذي يعاني أصلًا من ضعف الموارد والضغوط الهائلة في تغطية احتياجات البلاد من العملة الأجنبية، يجد نفسه اليوم محاصرًا أمام واقع انقسام مالي يلتهم أي إمكانية للاستقرار. الامتناع عن توريد الإيرادات يعني أن موارد ضخمة تبقى خارج الدورة المالية الرسمية، وهو ما يضاعف العجز ويقود إلى استمرار انهيار العملة المحلية وارتفاع الأسعار بشكل جنوني. كما أن استمرار هذا التمرد يقوض ثقة المجتمع المحلي والدولي في قدرة الحكومة على ضبط مؤسساتها، مما يقلل فرص الحصول على دعم خارجي أو قروض دولية. كل ذلك يجعل الأزمة الاقتصادية أكثر تعقيدًا، ويضع الحكومة أمام مأزق حقيقي يهدد هيبتها ومصداقيتها.
مطالب بمحاسبة وإجراءات صارمة
في خضم هذا الوضع، يتصاعد الغضب الشعبي وتتزايد الدعوات من قبل خبراء الاقتصاد والناشطين إلى ضرورة اتخاذ إجراءات صارمة بحق الجهات والمحافظات المتمردة ماليًا. هؤلاء الخبراء يؤكدون أن التساهل مع مأرب والمهرة يعني ببساطة إفشال الإصلاحات الاقتصادية برمتها. فالإصلاح لا يمكن أن يتحقق في ظل وجود محافظات تدير مواردها بشكل مستقل وكأنها “دويلات داخل الدولة”. الحل، بحسب هؤلاء، يكمن في فرض القانون وتفعيل أدوات المساءلة، حتى لو تطلب الأمر تدخلًا قضائيًا أو خطوات سياسية أكثر حزمًا. كما طالبوا الحكومة بأن تكون حازمة في رسائلها، وأن توضح للرأي العام وللمجتمع الدولي أن ما يجري هو عملية نهب منظم للمال العام وليس مجرد خلاف إداري. هذه المطالبات باتت تمثل صوتًا متصاعدًا في الشارع، يعكس حجم السخط من استمرار هذا الوضع الشاذ.
اختبار حقيقي لهيبة الدولة
في نهاية المطاف، فإن قضية مأرب والمهرة باتت اختبارًا حقيقيًا لهيبة الدولة اليمنية. فإما أن تنجح الحكومة في فرض سيادتها المالية وتعيد جميع الإيرادات إلى البنك المركزي بعدن، أو أن تفشل وتترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من الانقسام المالي والسياسي. نجاح الحكومة في هذه المعركة سيعني استعادة الثقة ولو جزئيًا في مؤسسات الدولة، وسيعطي إشارة قوية للمجتمع الدولي بأنها قادرة على ضبط مواردها وإدارتها بشفافية. أما الفشل، فسيؤكد أن الدولة اليمنية تعيش حالة من التفكك المالي والسياسي قد يصعب تجاوزها لاحقًا. ولعل السؤال الأبرز الذي يطرحه الشارع اليوم: هل تمتلك الحكومة الإرادة والقدرة على مواجهة هذه التحديات؟ أم أن مأرب والمهرة ستبقيان خارج قبضة الدولة، لتتحول القضية إلى جرح غائر في جسد الاقتصاد اليمني؟



