بيان “القاعدة” عن حضرموت.. دعوات للتسلح وصمت مريب عن الحوثيين

الأحقاف نت / تقرير خاص / 12 أغسطس 2025م

أثار البيان الأخير الصادر عن تنظيم القاعدة، والمتعلق بالأوضاع في محافظة حضرموت، جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، نظرًا لطبيعة الخطاب الذي حمله، وانتقائية التوجيهات التي تضمنها. البيان دعا بشكل مباشر سكان حضرموت إلى حمل السلاح والتدريب عليه، مستشهدًا بآيات قرآنية ونصوص دينية تحث على الإعداد العسكري، لكنه في المقابل تجاهل تمامًا أي إشارة إلى الوضع في مناطق سيطرة الحوثيين، رغم أن أكثر من ثلثي سكان اليمن يعيشون هناك منذ ما يقارب العقد من الزمن. هذا الصمت المتعمد يطرح أسئلة حول أولويات التنظيم وأجنداته الحقيقية، خاصة في ظل أن مناطق الحوثيين تعاني من أزمات إنسانية واقتصادية خانقة، وانتهاكات موثقة لحقوق الإنسان، وهو ما لم يجد أي انعكاس في خطاب القاعدة.

خطاب أحادي الاتجاه

من خلال مراجعة نص البيان، وخاصة الصفحة الثالثة منه، يتضح أن تنظيم القاعدة يوجه رسائله بشكل أحادي نحو استهداف الحكومة المحلية والقوات النخبة الحضرمية. النصوص الواردة تركز على التحذير من “المخاطر” المزعومة التي تواجه الأهالي، وتدعوهم للاستعداد بالعدة والعتاد، دون أن يخصص ولو جملة واحدة للإشارة إلى المعاناة اليومية التي يعيشها ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين. اللافت أن هذا النمط من الخطاب ليس حالة عرضية مرتبطة ببيان واحد، بل هو جزء من سياسة ثابتة يتبعها التنظيم منذ سنوات، حيث لم تُسجّل أي دعوة أو تحريض من قبل قادته على مقاومة سلطات الحوثي أو حتى تنظيم احتجاجات سلمية ضدها. هذا الانحياز الواضح في الخطاب يعكس أولويات التنظيم، التي يبدو أنها موجهة بالكامل نحو الجنوب والمناطق الخاضعة للحكومة، متجاهلًا الجبهة الشمالية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وهو ما يثير شبهة وجود تفاهمات أو موانع غير معلنة تمنعه من استهداف تلك المناطق.

تجاهل ممنهج للأزمات في مناطق الحوثيين

واقع الحال في مناطق سيطرة الحوثيين يعكس صورة قاتمة من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. الرواتب مقطوعة منذ سنوات، معدلات الفقر والجوع في تصاعد، القمع الأمني والسياسي بلغ مستويات غير مسبوقة، والفساد الإداري ينخر مؤسسات الدولة هناك. ومع ذلك، لا يجد هذا الواقع المأساوي مكانًا في بيانات أو خطب تنظيم القاعدة، الذي يواصل تجاهله بشكل ممنهج. هذا التجاهل لا يمكن قراءته إلا في إطار استراتيجية مقصودة، إما لاعتبارات ميدانية، أو نتيجة تفاهمات غير معلنة، أو ربما بسبب تقاطع المصالح بين الطرفين في إدارة النفوذ والسيطرة. بعض التحليلات تشير إلى أن التنظيم يتجنب فتح جبهة صراع مع الحوثيين، حفاظًا على ملاذات آمنة لعناصره وقياداته في صنعاء والمناطق المجاورة، أو لاستغلال الوضع كأداة ضغط على خصومه في الجنوب. وفي جميع الحالات، فإن هذا الصمت يعكس ازدواجية المعايير في خطاب القاعدة، الذي يقدم نفسه كحامل لواء “الجهاد” ضد الظلم، بينما يغض الطرف عن ممارسات الحوثيين التي تتوافق في كثير من الأحيان مع تعريفه للأنظمة “الطاغية”.

أدلة على وجود قيادات في صنعاء

المصادر الميدانية، بما في ذلك شهادات منشقين عن التنظيم، أكدت أن عددًا من القيادات البارزة في القاعدة، والذين كانوا يشغلون مناصب محورية في حضرموت، انتقلوا خلال السنوات الماضية إلى العاصمة صنعاء ومناطق أخرى تحت سيطرة الحوثيين. هذه القيادات، التي كانت تُعتبر واجهات عسكرية وإدارية للتنظيم في الجنوب، تعيش الآن في صنعاء دون أي ملاحقة أو مضايقة أمنية، وهو أمر يثير علامات استفهام كبيرة حول العلاقة بين الطرفين. الصور والوثائق التي تم الحصول عليها، والتي أرسلها منشقون للتأكيد على هذه المعلومات، توثق وجود هؤلاء القادة في أماكن عامة وأسواق، بل وتكشف مشاركتهم في أنشطة اجتماعية واقتصادية في العاصمة. هذا الواقع يعزز فرضية وجود تفاهمات أو على الأقل حالة من “التعايش غير المعلن” بين الحوثيين وتنظيم القاعدة، حيث يتم غض الطرف عن تواجد قيادات الأخير مقابل التزامه بعدم استهداف مناطق الشمال، وتركيز نشاطه العسكري والإعلامي على الجنوب.

توقيت ودلالات البيان

صدور البيان الأخير في هذا التوقيت تحديدًا ليس أمرًا عابرًا، إذ يتزامن مع حالة توتر أمني واحتجاجات شعبية في وادي حضرموت، خاصة في مدينة تريم، ضد القوات المتمركزة هناك. اختيار هذا التوقيت يوحي بأن القاعدة تسعى إلى استغلال حالة الاحتقان الشعبي لإعادة تنشيط خطابها الدعائي في الجنوب، وتقديم نفسها كقوة فاعلة في مواجهة ما تصفه بـ”الاحتلال”. لكن في الوقت نفسه، فإن غياب أي إشارة إلى الحوثيين أو المناطق التي يسيطرون عليها، يسلط الضوء على الانتقائية الواضحة في أولويات التنظيم. هذه الانتقائية قد تكون مرتبطة برغبة القاعدة في الحفاظ على مناطق آمنة لإيواء عناصرها، أو بمحاولة تجنب فتح جبهة جديدة مع الحوثيين قد تستنزف قدراتها. كما يمكن قراءة البيان كجزء من استراتيجية أوسع لصرف الأنظار عن غياب التنظيم التام عن ساحة المواجهة مع الحوثيين، وهو غياب يضعف من مصداقيته أمام حتى بعض أنصاره.

أسئلة مفتوحة

البيان الأخير لتنظيم القاعدة يترك وراءه سلسلة من الأسئلة التي يصعب تجاهلها: لماذا يتجنب التنظيم منذ سنوات أي مواجهة مع الحوثيين رغم كل ما يصفه من “ظلم” في خطاباته العامة؟ هل هناك تفاهمات سرية بين الطرفين تضمن للقاعدة ملاذات آمنة في صنعاء مقابل عدم فتح جبهة في الشمال؟ وما الذي يعنيه هذا الانتقائية في اختيار الخصوم بالنسبة لمصداقية التنظيم وأهدافه المعلنة؟ الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب تحقيقات أعمق ومراجعة شاملة لكل أنماط الخطاب والعمليات الميدانية للتنظيم خلال السنوات الماضية. لكن المؤكد أن صمته المطبق عن الحوثيين، في مقابل تحريضه المستمر ضد الجنوب وقواته، يعكس صورة معقدة لعلاقاته الإقليمية، ويفتح الباب أمام تكهنات واسعة حول حقيقة تحالفاته وارتباطاته في المشهد اليمني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى