الجدوى من انشاء صندوق تنوي لمحافظة حضرموت .. رؤية استراتيجية لتنمية مستدامة لتحقيق الاستقرار في المحافظة

الأحقاف نت / دراسة خاصة / 9 أغسطس 2025م
شهدت السياسة النقدية في اليمن منذ عام 2015 انقسامًا حادًا نتيجة النزاع المسلح، حيث انقسمت إدارة السياسة النقدية بين سلطتين؛ الأولى في صنعاء والثانية في عدن. ترتب على ذلك إصدار طبعتين مختلفتين من العملة، وتباين السياسات النقدية والمالية بين الشمال والجنوب، ما أدى إلى ازدواجية النظام المصرفي وتآكل الثقة بين البنوك والمؤسسات المالية.
هذا الانقسام أوجد صعوبات كبيرة في تداول العملة والتحويلات المالية بين المناطق، وأدى إلى اضطراب أسعار الصرف، وفتح المجال أمام المضاربات. تزامن ذلك مع تراجع موارد الدولة من العملة الصعبة، خاصة من صادرات النفط والغاز التي كانت تشكل المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي قبل الحرب. كما تدهورت الاحتياطيات الخارجية للبنك المركزي، ما قلل من قدرته على التدخل لحماية العملة.
في السنوات الأخيرة، حاولت الحكومة المعترف بها دوليًا تنفيذ إصلاحات نقدية، منها نقل البنك المركزي إلى عدن، وإعادة تفعيل أدوات السياسة النقدية، مثل مزادات بيع العملة عبر البنك المركزي لتمويل استيراد السلع الأساسية، إلا أن هذه الجهود واجهت تحديات منها ضعف الإيرادات، وانقسام المؤسسات، واستمرار الصراع، وغياب التنسيق مع المنظمات الدولية.
أثرت هذه الأوضاع على القطاع المصرفي بشكل مباشر، حيث تراجعت قدرة البنوك على تقديم الخدمات المالية، وتقلصت أنشطة الإقراض والاستثمار، في ظل انعدام الثقة وارتفاع المخاطر. كما انتشرت السوق السوداء للصرف والتحويلات، وأصبحت بديلًا غير رسمي لكنه أكثر سرعة ومرونة مقارنة بالبنوك.
التباين في أسعار الصرف بين عدن وصنعاء كان من أبرز مظاهر الأزمة، حيث شهدت المناطق الخاضعة للحكومة تدهورًا أكبر في قيمة العملة المحلية مقارنة بمناطق سيطرة الحوثيين، نتيجة السياسات المختلفة في ضخ العملة وإدارتها. هذا التفاوت أدى إلى زيادة أسعار السلع، وأثّر سلبًا على معيشة المواطنين، خاصة مع محدودية الدخل وارتفاع معدلات الفقر.
لمعالجة الأزمة، تبرز أهمية توحيد السياسة النقدية وإعادة هيكلة البنك المركزي بما يضمن استقلاليته وقدرته على إدارة النقد بعيدًا عن التدخلات السياسية. كما يجب العمل على إعادة الثقة بالقطاع المصرفي من خلال إصلاح أنظمته، وضمان سلامة عملياته، وتعزيز الشفافية. إضافة إلى ذلك، ينبغي تنويع مصادر النقد الأجنبي، وزيادة الصادرات غير النفطية، وتحسين تحصيل الإيرادات المحلية.
تلعب المنظمات الدولية والجهات المانحة دورًا محوريًا في دعم هذه الإصلاحات، سواء من خلال المساعدات الفنية أو التمويل المباشر لبرامج الاستقرار الاقتصادي. كما أن استقرار سعر الصرف يتطلب تنسيق الجهود بين جميع الأطراف، بما في ذلك القطاع الخاص، لتقليل الاعتماد على المضاربات والتحويلات غير الرسمية.
توصي الدراسة بوضع خطة إصلاح شاملة تتضمن:
1. توحيد مؤسسات النقد وإلغاء الازدواجية في السياسات والإجراءات.
2. إصلاح الإطار القانوني للبنك المركزي وضمان استقلاليته.
3. تعزيز الاحتياطيات الخارجية عبر تنمية الصادرات واستقطاب الاستثمارات.
4. توسيع قاعدة الإيرادات وخفض الاعتماد على المنح والمساعدات.
5. إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتحسين بنيته التحتية.
6. مكافحة السوق السوداء وتعزيز أدوات الرقابة والإشراف المالي.
7. التنسيق مع الشركاء الدوليين لتوفير دعم فني ومالي مستدام.
تؤكد الدراسة أن نجاح أي إصلاح نقدي في اليمن مرهون بإنهاء الانقسام السياسي والإداري، واستعادة مؤسسات الدولة لوظائفها الطبيعية. كما أن استعادة الثقة في العملة المحلية تتطلب استقرارًا أمنيًا وسياسيًا، إضافة إلى سياسات اقتصادية متوازنة تُعطي أولوية لاستقرار الأسعار وحماية القوة الشرائية للمواطنين.




