عملة الفتنة: كيف دسّ الحوثيون شعارهم في ذاكرة الجنوب بقطعة نقدية

الأحقاف نت / تقرير خاص / 14 يوليو 2025م
في خطوة تثير الدهشة وتفتح باب التأويلات السياسية والثقافية، أصدر الحوثيون عملة معدنية من فئة 50 ريالاً تحمل صورة مسجد العيدروس في عدن، أحد رموز المدرسة السنية الشافعية الحضرميّة الممتدة في الجنوب العربي . للوهلة الأولى قد يبدو الأمر تكريمًا أو اعترافًا بعمق الهوية الدينية والثقافية لعدن، لكن القراءة بين السطور تكشف محاولة مدروسة لاختراق الهوية الفكرية للجنوب العربي وبث الفتن الطائفية تحت غطاء رمزي ناعم.
فالجنوب، وتحديدًا حضرموت، ظل عبر قرون معقلًا للمدرسة السنية الشافعية في نسختها الحضرمية التي تمزج بين العمق الفقهي والانضباط الروحي للتصوف السني المعتدل، متبنيةً نهج الترضّي عن الصحابة جميعًا، ومُحافظة على مسافة فكرية وعقدية واضحة مع الصراعات الطائفية والمذهبية التي ضربت المنطقة. لم يكن هذا السياق الفكري والفلسفي يومًا تربة صالحة لمشاريع الفكر الرافضي، ولا لغيره من محاولات التغلغل الطائفي التي لم تتوقف منذ ما قبل 2015، حين حاول الحوثيون التمدد في وادي حضرموت تارةً باسم “حب آل البيت”، وأخرى باسم “المظلومية”، وأحيانًا باسم “محاربة الإرهاب”.
عملة معدنية… ورسائل ملغومة
العملة الحوثية ليست مجرد قطعة نقدية معدنية، بل رسالة مشفّرة تمزج بين الدعاية السياسية والتضليل الفكري المتعمد. فتصوير مسجد العيدروس في عدن على عملة تصدرها جماعة ذات توجه مذهبي شديد الوضوح، يراد منه إيهام الشارع الجنوبي بوجود تقاطعات مذهبية وثقافية بين المدرسة السنية الحضرميّة وبين المشروع الحوثي المتشح بعباءة المظلومية الدينية. هذه محاولة ماكرة لخلط الأوراق واستدراج الوعي الشعبي إلى مربع الالتباس الثقافي والديني، ليظن الجاهل بالتاريخ والمذاهب أن ثمة قاسمًا مشتركًا يمكن البناء عليه بين الجانبين.
لكن الجنوب، وفي القلب منه حضرموت، يمتلك ذاكرة دينية وفكرية محصنة بوعي علمائه ومثقفيه، ممن ظلوا على مر الأجيال حائط الصد المنيع في وجه محاولات الاختراق المذهبي والفكري. ومن بين أبرز هؤلاء، العلامة الحبيب أبو بكر المشهور رحمه الله ، الذي حذّر في مقاطع موثقة من هذه الأساليب الناعمة التي تستهدف زعزعة وضوح المنهج الحضرمي السني الشافعي، مؤكدًا أن حضرموت ليست بحاجة لمن يعلّمها محبة آل البيت، فهي تعرف قدرهم وتحبهم بعقيدة واضحة ومنهج نقي لا يخلط بين المحبة المشروعة وبين الاستغلال الطائفي المُغلف بالشعارات الدينية.
تواطؤ داخلي وأجندات مريبة
المثير للريبة أكثر، أن بعض الجماعات داخل الجنوب سارعت إلى الترويج لصورة العملة المعدنية، فرحةً كمن كان ينتظر حدثًا يبرر به نزعاته الطائفية أو انقلابه الفكري المؤجل. هذه الجماعات التي لا تخفي شغفها بالفوضى المذهبية والهووية، ظلت تبحث عن باب خلفي لتمرير مآربها، فوجدت في الصورة الحوثية غطاءً برّاقًا لخطابها المموّه. فهم يدركون جيدًا أن محاولات التغيير الجذري في بنية الوعي الجمعي للجنوب لن تمر عبر الخطاب المباشر، لكنها قد تجد طريقها عبر رمزية محمّلة على قطعة نقدية أو أثر ديني مغلّف بالدعوة إلى “التقارب”.
إن هذا التواطؤ الداخلي، وإن بدا للبعض محض تفاعل بسيط مع صورة عملة، إلا أنه في الحقيقة امتداد لمشروع طويل المدى يراهن على التسلل عبر النخب والجماعات التي تقف على شفا التبدلات الفكرية المريبة. هؤلاء الذين يحاولون دائمًا التلويح بشعارات دينية منزوعة الدسم المعرفي والمنهجي، يسعون إلى تفريغ الجنوب من محتواه العقدي والفكري، ليصبح ساحة خالية يسهل احتلالها معنويًا وثقافيًا باسم الدين. وهنا مكمن الخطر الذي يتطلب من الجميع الوعي بأن المعركة ليست مجرد صورة على عملة بل هي حرب على الهوية والموقف والمنهج.
الجنوب ليس صفحة بيضاء ولا ممرًا للفوضى المذهبية
الرسالة القادمة من حضرموت إلى عدن، ومن كل الجنوب إلى من يحاول دسّ قدميه في ثنايا هذه الأرض، تقول بوضوح: الجنوب ليس صفحة بيضاء ليُخط فيها الغرباء ما يشاؤون، ولا هو ممر مفتوح لتجارب المذاهب الوافدة أو شعارات الطائفية المقنّعة. هنا، في حضرموت، ينبض إرث مدرسة حضرموت السنية الشافعية االتي لا تختزل في التصوف وحده، بل تمتد إلى بنية معرفية متكاملة قوامها الفقه السني الرصين والعقيدة النقية التي حافظت على وسطيتها عبر العصور. هي مدرسة تقوم على التوازن: حب آل البيت دون غلو، والترضي عن الصحابة جميعًا بلا انتقاص، والالتزام بالمنهج الفقهي الذي صاغته عقول وعلماء حملوا همّ الدين لا همّ السياسة المذهبية.
إن الجنوب إذًا ليس رقعة تنتظر من يملي عليها رؤاه ولا فراغًا تبحث الشعارات الطائفية أن تملأه. هنا تاريخ، وعلم، ومنهج رسّخه العلماء في المدارس والمساجد والبيوتات العلمية التي أنجبت رموزًا كبارًا ظلوا طيلة قرون صمام أمانٍ أمام أي اختراق مذهبي أو عقائدي دخيل. لم يكن الجنوب، وحضرموت خصوصًا، يومًا أرضًا خصبة لأفكار التشيع الرافضي، ولا بيئة حاضنة للتجاذبات الطائفية مهما اختلفت أشكالها. فالمجتمع الجنوبي عموماً والحضرمي على وجه الخصوص يعي جيدًا أن العبث بالهوية المذهبية هو المدخل الأخطر للسيطرة السياسية والثقافية على الشعوب، وهو ما جعل الوعي الجمعي في هذه الأرض يقظًا ومحصنًا ضد مثل هذه المحاولات مهما اختلفت أدواتها.
لذا، فإن الجنوب يدرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن معركته ليست فقط مع البنادق والصواريخ، بل مع محاولات تفكيك وعيه وتركيب هويته على مقاس مشاريع دخيلة، تحاول الدخول من نوافذ الرمز الديني والزيف الثقافي. وطباعة صورة مسجد العيدروس في عدن على عملة حوثية ليست إلا طعنة في خاصرة الهوية، لكنها طعنة مكسورة النصل أمام جدار الوعي والمنهج الذي بناه العلماء والحكماء في الجنوب منذ مئات السنين.



