“هروب استثماري صامت” .. قرار سعودي يربك سوق العقارات في جنوب اليمن

الأحقاف نت / خاص / 10 يوليو 2025م
في خطوة وُصفت بأنها مفصلية في السياسة الاقتصادية السعودية، أعلنت المملكة العربية السعودية مؤخرًا عن قرار تاريخي يتيح للمرة الأولى لغير السعوديين تملّك العقارات داخل أراضيها، وهو القرار الذي حظي باهتمام واسع من الأوساط المالية والاستثمارية في المنطقة. غير أن هذا الانفتاح السعودي، الذي يأتي في سياق رؤية 2030 لتنويع مصادر الدخل وجذب الاستثمارات، لم يكن تأثيره محصورًا داخل المملكة، بل بدأ صداه يتردد في أسواق عقارية مجاورة، أبرزها السوق اليمني، وتحديدًا في محافظتي عدن وحضرموت.
فمنذ إعلان القرار، بدأت تلوح في الأفق بوادر ما يمكن وصفه بـ”الهروب الاستثماري الصامت”، حيث يتحدث خبراء ومتابعون عن تحركات غير معلنة يقوم بها عدد من رجال الأعمال اليمنيين والمغتربين لتحويل أموالهم واستثماراتهم العقارية من اليمن إلى السعودية. فمع الفارق الكبير في الاستقرار السياسي والأمني، وغياب البنية التشريعية المشجعة في اليمن، أصبحت السوق السعودية خيارًا أكثر إغراءً من أي وقت مضى، خاصة لأولئك الذين ظلوا لسنوات يراهنون على مستقبل عقاري في عدن والمكلا وسيئون.
في اليمن، لم يكن القطاع العقاري في أحسن حالاته أصلًا. فعلى مدى السنوات الماضية، ورغم النشاط النسبي الذي شهدته بعض المناطق الجنوبية، ظل السوق العقاري يعاني من ضعف البنية التحتية، وانعدام التخطيط العمراني السليم، وغياب الرؤية الرسمية لتنظيم الاستثمار. ومع ذلك، ظل اليمنيون يرون في شراء العقارات ملاذًا آمنًا لأموالهم، في ظل انهيار العملة وارتفاع معدلات التضخم. أما اليوم، ومع دخول السعودية على خط المنافسة بسياسة تملّك منفتحة للأجانب، فإن هذا “الملاذ الآمن” لم يعد كذلك.
التحول في المشهد العقاري لا يبدو آنيًا فقط، بل يحمل مؤشرات على تغييرات طويلة المدى. مدن مثل عدن التي شهدت طفرة في الأسعار مدفوعة بتوقعات تفاؤلية بانتعاش اقتصادي بعد الحرب، أصبحت اليوم على حافة ركود حاد في التداول العقاري، إذ يتخوف كثيرون من أن يؤدي تسارع عمليات البيع إلى انخفاض مفاجئ في الأسعار، وكساد يضرب السوق بالكامل. الأمر ذاته ينطبق على حضرموت، خاصة مدينة المكلا التي شهدت ارتفاعات غير مبررة في قيمة الأراضي والمباني، مستفيدة من تحويلات المغتربين في الخليج، والرهان على مستقبل استثماري واعد لم يتحقق حتى اليوم.
ولعل ما يزيد من خطورة الوضع هو غياب أي استجابة فعلية من الجهات الرسمية في اليمن. فلا توجد حتى الآن خطط حكومية لاحتواء الصدمة المحتملة، أو برامج طوارئ لحماية السوق المحلي من النزيف المتوقع. كما لا تزال السياسات العقارية والمصرفية مجزأة، وغير قادرة على استيعاب التحولات الجذرية في سلوك المستثمرين. هذا في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من أزمات مزدوجة في التمويل والتخطيط، وانعدام شبه كامل للضمانات القانونية للمستثمرين.
ما يجري حاليًا لا يمكن وصفه بكونه مجرد تحوّل في بوصلة الاستثمار، بل هو مؤشر على انهيار الثقة. فبينما تبني السعودية نموذجًا عقاريًا طموحًا، مدعومًا بتشريعات وامتيازات للأجانب، لا تزال المدن اليمنية عالقة في دوامة الفوضى الإدارية والجمود الاقتصادي. وإذا استمر هذا الواقع، فمن المتوقع أن تتسع فجوة التنافس الاستثماري بين الداخل اليمني والخارج الخليجي، لتصبح غير قابلة للردم في المستقبل القريب.
في ضوء كل ذلك، فإن السوق العقاري في جنوب اليمن يواجه لحظة فارقة: إما التدارك السريع من خلال إصلاحات عميقة وحوافز حقيقية للمستثمرين، أو مواجهة موجة تراجع قد تمتد آثارها إلى قطاعات البناء والمقاولات والخدمات المالية، وتزيد من معدلات البطالة والفقر في مناطق تعتمد بنسبة كبيرة على الحركة العقارية.



