كمينُ «صَرْفيت»… شرارةُ الجنوب التي أحرقت شريانَ التسلّل الحوثي في بوّابةِ المهرة

الأحقاف نت / مركز الأحقاف للدراسات الاستراتيجية والإعلام – وحدة التحليل السياسي / 10 يوليو 2025م
1. جغرافيا المنفذ وخلفيات التسلل
منفذ صَرْفيت يقع في أقصى شرق المهرة على خط الحدود مع سلطنة عُمان ويُعد المخرج البري الوحيد الذي يربط المحافظة مباشرةً بدولة أخرى.
انعكست هذه الخصوصية الجغرافية على تحوّل المنفذ إلى نقطة مرور مفضّلة لشبكات التهريب التابعة لجماعة الحوثي منذ 2017، بحسب تقارير ميدانية متواترة.
في ديسمبر 2024 أعلن أمن المهرة اعتراض شحنة كوابل ألياف ضوئية في صَرْفيت كانت موجهة للحوثيين لتعزيز قدرات الطائرات المسيَّرة، وهو ما كشف جانبًا من طبيعة المواد المهربة شرقًا .
تزامن ذلك مع تصاعد نشاط «قوات درع الوطن» المدعومة سعوديًا في المحافظة مطلع 2025 لمراقبة الحدود الشرقية ومنع تدفق مكونات الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى صنعاء .
تاريخيًا استفاد المهربون من تضاريس حوف الجبلية وكثافة الأشجار الاستوائية التي تحجب خطوط الرؤية وتوفّر مسارات فرعية تؤدي مباشرةً إلى الساحل أو إلى طريق الربع الخالي.
كما تساعد شبكة الطُرق الترابية داخل وادي دَمقوت على المناورة بعيدًا عن النقاط الأمنية الرسمية، الأمر الذي ظهر جليًا عندما نصبت مجموعات مسلحة كمينًا لوحدة عسكرية كانت متجهة لتعزيز المنفذ في 8 يوليو .
الأهمية الاستراتيجية للمنفذ جعلته مجال تنافس سعودي–عُماني؛ فالمملكة ترى فيه بوابةً محتملةً لتسلل المسيرات نحو حقولها النفطية، بينما تخشى مسقط من أي حضور عسكري سعودي دائم على حدودها الجنوبية .
الموقع البحري القريب من خليج عُمان يمنح صَرْفيت منفذًا لوجستيًا مزدوجًا؛ فمن ينجح في اجتياز البوابة البرية يستطيع خلال أقل من ساعة الوصول إلى مرافئ صيد صغيرة تُستخدم أحيانًا لعمليات إنزال بحري.
يرى مسؤولون محليون أن أي فراغ أمني في هذه النقطة يفتح الباب أمام تحويل المهرة إلى «معبر بديل» بعد التضييق الدولي على الموانئ الغربية الخاضعة للحوثيين.
هذه الاعتبارات دفعت قيادة المهرة إلى رفع مستوى التنسيق مع وزارة الدفاع اليمنية منذ فبراير 2025، وتثبيت نقطة تفتيش مشتركة بين الجيش وقوات الأمن العام.
غير أنّ التشابكات القَبَلية وتعدد مراكز النفوذ في المحافظة جعلت المهمة أكثر تعقيدًا مما يبدو على الورق، وهو ما بان في رد الفعل المسلح عقب اعتقال القيادي الزايدي.
تؤكد شعبة الاستخبارات العسكرية في المنطقة الشرقية أن أجهزة الرصد الإلكتروني تُسجل زيادة في حركة الاتصالات عبر شرائح عمانية منذ مطلع مايو، ما يدل على نشاط غير اعتيادي في الشبكات اللوجستية.
هذه الخلفية تهيّـأ عليها سياق عملية يوليو، لتتحول الواقعة من حادث ضبط عابر إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إحكام بواباتها الشرقية.
وبذلك تغدو جغرافيا صَرْفيت ليست مجرد خطوط رسمتها الخرائط، بل عقدة أمنية تقرر مسار الصراع القادم في خاصرة اليمن والخليج.
التهاون في تحصين هذه العقدة يفتح نافذة لتسلل تقنيات قد تغيّر موازين القوة في عموم الإقليم، كما تحذّر تقارير أمنية خليجية اطلعت عليها وحدة التحليل.
لذا تبرز الحاجة إلى مقاربة متكاملة تمزج بين تأمين الأرض وتعزيز التنمية المحلية، حتى لا تتحول الطبيعة الوعرة من نعمة جغرافية إلى نقمة استراتيجية.
هذا التوصيف المدعوم بالوقائع هو المنطلق لفهم ما جرى لاحقًا من تفاصيل في يوم الكمين وما تبعه.
2. تفاصيل الاعتقال: من ضبط الوثائق إلى إشعال الفتيل
صباح الثلاثاء 8 يوليو أوقفت قوة أمن المنفذ سيارة دفع رباعي تقلّ محمد أحمد علي الزايدي، الموصوف أمنيًا بأنه قيادي حوثي بارز ومسؤول تعبئة قبلية في جبهة مأرب .
بحسب بيان اللجنة الأمنية في المهرة كان الزايدي يحمل جوازًا دبلوماسيًا صادِرًا من سلطات صنعاء غير المعترف بها، ما أثار اشتباه الضباط وأدى إلى إخضاعه للتفتيش الدقيق .
ضُبط بحوزته جهازا كمبيوتر لوحيان وشرائح اتصال دولية إضافة إلى وثائق مختومة بخاتم «وزارة الدفاع – صنعاء» تؤكد صلته بجهاز الاستخبارات العسكري للحوثيين، وفق ما أفادت به مصادر أمنية ليمن مونيتور .
عملية التوقيف استغرقت دقائق محدودة، لكن خطورتها ظهرت حين كشفت كاميرات المراقبة وجود مركبة مسلحة تنتظر على بعد أمتار من البوابة، ما استدعى استنفارًا فوريًا للأفراد العاملين في الحاجز .
جرى نقل الموقوف إلى غرفة احتجاز محصنة داخل المنفذ لتجنيبه أي عملية انتشال بالقوة، وهي الخطوة التي ثبُت لاحقًا أنها أحبطت مخططًا لتحريره.
باشرت الأجهزة المختصة تفريغ محتوى الأجهزة الإلكترونية في موقعٍ مؤقت قبل تحويلها للطب الشرعي الرقمي في الغيضة، تفاديًا لمخاطر التلاعب أو التلف أثناء الطريق.
أحد المستشارين القانونيين في المحافظة صرح لوسائل إعلام محلية بأن وجود جواز دبلوماسي غير معتمد يكفي قانونيًا لإحالة الموقوف إلى النيابة بتهمة «التزوير واستغلال الصفة العامة».
في اللحظة نفسها كانت قوة تعزيز من محور الغيضة تتحرك عبر طريق دَمقوت لتأمين عملية النقل، غير مدركة أنّ كمينًا كان ينتظرها في المنعطفات الجبلية.
المصادر الطبية في مستشفى الغيضة العام أكدت مقتل قائد كتيبة دبابات باللواء 137 وإصابة اثنين من مرافقيه خلال الكمين الذي نصبته عناصر يُشتبه بارتباطها بالحوثيين .
تسببت هذه الخسارة في رفع مستوى التهديد إلى الدرجة (أ) داخل المنفذ، وهو أعلى مستويات الإنذار في لوائح وزارة الداخلية اليمنية.
في الأثناء أغلقت السلطات الطريق الدولي المؤدي إلى صلالة مدة ثلاث ساعات كإجراء احترازي، ما أدّى إلى تكدّس عشرات الشاحنات التجارية على الجانبين.
بعد تثبيت الوضع الميداني، جرى ترحيل الزايدي إلى إدارة الأمن في الغيضة تحت حراسة مشددة من وحدات خاصة، وهو الآن رهن التحقيق بتهم تتعلق بالتخابر وتهريب معدات عسكرية.
أوضح متحدث أمني أن التحقيقات الأولية ركّزت على مسار الأموال المحوّلة إلى حسابات مرتبطة بالزايدي عبر شركات صرافة غير مرخصة تعمل في صنعاء وسيئون.
لم يُكشف بعد عن تفاصيل الوثائق المصادَرة لدواعٍ تتعلق بسير التحقيق، لكن مصادر مطّلعة أشارت إلى وجود أسماء متعاونين محليين في المهرة وحضرموت.
المشهد برمته يثبت أن الاعتماد على وثائق سفر مزوّرة وشبكات مالية خفية هو العمود الفقري لعمليات التسلل الحوثية شرق اليمن.
ولا يقلّ خطورة عن الأمر ذاته استغلال الثغرات في بيئة الاتصالات الحدودية التي تتيح تشغيل الشرائح العُمانية داخل الأراضي اليمنية بلا رقابة فعّالة.
إن ضبط هذه الحلقة الرئيسية شكّل خطوة استباقية ضد مشروع تهريب متشعب، لكن حجم المضبوطات يؤكد بالمقابل أن الفجوة الأمنية ما زالت واسعة وتحتاج إلى سد عاجل.
3. الاشتباكات في دَمقوت: قراءة في الأطراف والخسائر والدلالات
لم تمضِ ساعةٌ على اعتقال الزايدي حتى أعلنت مصادر محلية عن دويّ إطلاق نار كثيف في منطقة دَمقوت التابعة لمديرية حوف.
المعلومات المؤكدة من «South24 Center» تفيد بأن قوة عسكرية كانت في طريقها لتعزيز المنفذ تعرضت لهجوم من مسلحين يُشتبه بولائهم لجماعة الحوثي أو متعاطفين معها .
الهجوم أسفر عن مقتل العميد عبد الله زايد، وهو أرفع ضابط يسقط في المهرة منذ اندلاع الحرب عام 2015، ما رفع سقف الصدمة لدى الرأي العام المحلي.
مصدر عسكري ذكر أن المهاجمين استخدموا أسلحة رشاشة متوسطة واستغلوا وعورة التضاريس في نصب الكمائن والانكفاء إلى سفوح الجبال.
امتد الاشتباك قرابة ربع ساعة قبل انسحاب العناصر المهاجمة نحو وادي الأحقاف المحاذي لخط التماس السابق بين القوات الحكومية ومجاميع قبلية.
على إثر الاشتباك أغلقت السلطات الطريق المؤدي إلى صلالة جزئيًا وتحولت حركة الشاحنات إلى الطريق الساحلي البديل نحو نشطون.
بيان اللجنة الأمنية أكد استمرار عمليات التمشيط وتعقب العناصر التي فرت إلى الكهوف والممرات الجبلية المحيطة .
المراقبون يرون أنّ سرعة الهجوم تعكس وجود تنسيق مسبق بين المعتدين وجهاتٍ تمتلك معلومات دقيقة عن تحركات التعزيزات العسكرية.
يُستدل من الحدث أن جماعة الحوثي باتت تعتمد أسلوب «الإرباك المسلح المحدود» لخلق ضغط نفسي على القوات الحكومية وإرباك خططها الأمنية.
مصادر محلية رجّحت علاقة بعض المهاجمين بلجنة «الاعتصام السلمي» بزعامة الشيخ علي الحريزي، رغم نفي الأخير عبر بيان مقتضب؛ وذلك لكون الحادث وقع في نطاق نفوذ قبائله التقليدي .
تردّد سكان حوف في الإدلاء بشهاداتهم خوفًا من الانتقام القبلي، ما يسلط الضوء على تحدي غياب الحاضنة المجتمعية الصلبة للسلطة الشرعية شرق اليمن.
سقوط ضابط رفيع دفع وزارة الدفاع إلى إرسال لجنة تحقيق ميدانية لمعرفة أسباب ثغرة المعلومات التي سمحت بوقوع الكمين.
كما أوعز محافظ المهرة إلى السلطات الصحية برفع جاهزية مستشفى الغيضة تحسبًا لاستقبال مزيد من الإصابات في حال استمرار الاشتباكات.
التصعيد المسلح لفت أنظار المجتمع الدولي الذي يتابع عمليات تأمين الملاحة في بحر العرب؛ فالمنطقة تبعد 40 كم فقط عن الساحل.
حالة الاستنفار أثرت على حركة التجارة البينية مع عُمان، إذ اضطرت شركات النقل إلى تعليق رحلاتها لمدة 24 ساعة لتقييم الموقف الأمني.
ويجمع خبراء أمنيون على أن ترك الاشتباك بلا معالجة شاملة سيفتح شهية الجماعة لتكرار سيناريو «ضربات الخطف والانسحاب» في باقي مناطق المهرة.
لذلك تُعد السيطرة على وادي دَمقوت أولوية تتجاوز مجرد الرد على هجوم عابر، لأنها تمنع ولادة جيب مسلح قد يتطور إلى تهديد مستدام.
في المحصلة، يكشف الاشتباك أنّ شبكات الحوثي في الشرق لا تعمل في فراغ، بل تستفيد من هشاشة الإنضباط القبلي وأخطاء انتشار القوات الحكومية.
4. معادلة القبائل والحراك الاحتجاجي: مسارات الدعم والإنكار
منذ 2018 يقود الشيخ علي سالم الحريزي ما يُعرف بـ«اللجنة المنظمة للاعتصام السلمي في المهرة» اعتراضًا على ما يراه «وجودًا عسكريًا أجنبيًا» في المحافظة.
بحسب تحليل «كارنيغي» الصادر في مارس 2025، تحظى اللجنة بدعم مالي غير معلَن من مسقط وتُتهم بتسهيل عبور شحنات لحساب الحوثيين مقابل رواتب شهرية لعناصرها .
كما اتُّهمت اللجنة باستخدام شعارات السيادة لتأليب الشارع ضد قوات درع الوطن المدعومة سعوديًا، وهو ما أدى إلى صدامات متقطعة أوائل العام داخل الغيضة.
في المقابل، انشق شيخ أحمد بلحاف مطلع يناير 2025 وأعلن «مسار التصحيح» داعيًا القبائل إلى رفض «الأجندة الحوثية» داخل المهرة .
هذه الانشقاقات تُظهر أنّ الولاءات القبلية ليست كتلة صماء بل قابلة لإعادة التموضع وفق المصالح الاقتصادية والمحفزات الخارجية.
حادثة صَرْفيت أعادت إذكاء الجدل؛ إذ وجّه ناشطون مقربون من الحريزي اتهامًا مباشرًا للسعودية بالوقوف وراء الاعتقال، في حين دافعت بلحاف وقيادات أخرى عن خطوة الأمن.
بيان صادر عن «اعتصام المهرة» نفى أي علاقة للهجوم المسلح في دَمقوت، لكنه طالب بإطلاق الزايدي فورًا وفتح تحقيق دولي في ما وصفه بـ«التعدي على حرية الحركة».
بينما أشاد بيان آخر لقبائل مُرحّبة بالعملية واعتبرها «ضربة لتجار السلاح»، ما يعكس الانقسام الداخلي حول الموقف من الحوثيين.
بعض قيادات السلطة المحلية أبدت توازنًا حرجًا؛ فالمحافظ محمد علي ياسر دعا إلى التهدئة والحوار، بينما شكّك في دوافع الداعين إلى الاعتصامات وضع علامات استفهام حول مصادر تمويلهم.
لم تتجاوز التظاهرات الاحتجاجية بضع مئات لكنها رفعت لافتات ترفض «العسكرة» وتدعو إلى انسحاب قوات التحالف، ما يصب في مصلحة حوثية ضمنيًا.
يزيد من تعقيد المشهد ضعف البنية التنموية؛ فالمشاريع الحكومية تسير ببطء، ما يجعل الوعود المالية الخارجية أكثر إغراءً لشباب القبائل الباحثين عن دخل ثابت.
ويشير استطلاع محلي أجرته جامعة حضرموت في أبريل 2025 إلى أن 62 % من شباب المهرة يعتبرون البطالة «الدافع الأول» للانخراط في أنشطة التهريب.
هذا الواقع الاقتصادي يُعد التربة الخصبة التي تستغلها الجماعة لشراء الذمم أو استحداث شبكة مخبرين تُسهل لها التحرك دون لفت الأنظار.
كما تستفيد طهران من الروابط الدينية والمصالح التجارية القديمة مع المهرة لتسويق خطاب «وحدة المصير» ضد ما تصفه بـ«الهيمنة السعودية».
غياب منصة وطنية قادرة على مخاطبة الشارع المهرِي بلغته وثقافته المميزة (المهرية والسقطرية) يترك المجال مفتوحًا أمام الحملات الإعلامية الموجّهة.
ولذلك تبدو معالجة الإشكال القبَلي ضرورة موازية للمعالجة الأمنية، عبر شراكات إنمائية حقيقية تربط القبيلة بدورة الاقتصاد الرسمي لا اقتصاد التهريب.
إن تصحيح علاقة الدولة بالقبائل يمثّل صمام الأمان الأول لمنع تحوّل المهرة إلى بركان مستتر قابل للانفجار في أي لحظة.
الحقيقة المؤكدة أنّ صراع الولاءات في المهرة لا يقل خطورة عن تهريب السلاح، لأنه يحدد مَن يحرس الحدود ومَن يفتحها ساعة الحاجة.
5. الموقف الرسمي والتعاطي الإعلامي: بين الصمت والإيضاح
عقب الحادثة بـ24 ساعة عقد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي اجتماعًا مع قيادات السلطة المحلية في المهرة بحضور وزير الدفاع لمراجعة التطورات الأمنية .
أشاد العليمي بدور القوات في «مكافحة تهريب الأسلحة الإيرانية» لكنه لم يذكر اسم الزايدي صراحةً، ما اعتبره محللون محاولةً لتجنب التصعيد السياسي المباشر.
البيان الرئاسي ركّز على الجانب التنموي وأعلن دعمًا من برنامج الإعمار السعودي لمشروعات خدمية في المحافظة، في رسالة لامتصاص احتقان الشارع.
في المقابل، أصدرت اللجنة الأمنية في المهرة بيانًا مفصّلًا أوضح ملابسات الاعتقال وأكد استمرار العمليات لتعقب العناصر المسلحة في الجبال المجاورة .
غياب التوقيت الموحد بين بيان الرئاسة وبيان اللجنة أحدث فراغًا استغلته المنصات الحوثية لاتهام السلطات بالخضوع لإملاءات خارجية.
قناة «المسيرة» بثّت تقريرًا يزعم أن الاعتقال نفذته «قوات سعودية» وليس أمنًا يمنيًا، وهو ادعاء دحضه لاحقًا فيديو رسمي يظهر ضباطًا مَهرِيين في العملية.
نشطاء محليون انتقدوا تأخر وزارة الإعلام في نشر تفاصيل دقيقة مرفقة بصور ومستندات تثبت هوية الزايدي والمؤشرات الجرمية ضده.
أشار خبراء اتصال إلى أن إدارة الأزمة الإعلامية ينبغي أن تواكب إيقاع الحدث خلال الساعات الذهبية الأولى، وإلا فإن الفراغ يمتلئ بالرواية المضادة.
على الأرض، شارك محافظ المهرة في مؤتمر صحفي قصير أكد فيه «احترامه للاعتصامات السلمية» لكنه حذّر من أي أعمال مسلحة تستهدف القوات.
المؤتمر ركز كذلك على تطمين قطاع الأعمال بعد أن سجلت الغرفة التجارية تراجع الشحن بنسبة 18 % خلال يومَي الإغلاق المؤقت للطريق.
من جانب آخر، أثنت قيادة التحالف العربي على «يقظة السلطات المحلية»، ووصفت العملية بأنها «نموذج للتنسيق الميداني الناجح»، دون الكشف عن تفاصيل الدعم الاستخباراتي.
رسميًا طُلب من النيابة الجزائية المتخصصة في عدن تولي ملف الزايدي لضمان محاكمة شفافة وفق القانون اليمني والإجراءات المعمول بها.
خطاب الدولة استعاد زخمًا نسبيًا بعد بث صور المضبوطات، لكن مراقبين يؤكدون أن معركة السردية لم تُحسم بالكامل طالما استمرت القنوات الموالية للحوثي في بث روايات مغايرة.
ولكي لا يتكرر فجوة الاتصالات الرسمية، أوصى تقرير داخلي حصلت عليه وحدة التحليل بتشكيل خلية إعلامية مشتركة بين وزارات الدفاع والإعلام والداخلية للتعاطي الفوري مع الأحداث.
على المستوى التعاوني، اقترح مجلس الوزراء إنشاء خط ساخن مع نظيره العُماني لتبادل الإشعارات الأمنية منعًا لتضارب البيانات حول ما يجري في المنفذ.
بهذه الإجراءات تتضح معالم السياسة الرسمية: دعم العملية أمنيًا، امتصاص الأثر اقتصاديًا، وترميم السردية إعلاميًا، وكلها مسارات تحتاج إلى تسارع أكبر لحرق الوقت على خصوم الدولة.
6. البعد الإقليمي: تقاطع المصالح بين الرياض ومسقط وطهران
يشكّل الشرق اليمني منذ 2015 ساحةً خلفية للصراع الإقليمي بين السعودية (الداعم الرئيس للحكومة) وإيران (الراعي العسكري للحوثيين) مع وجود عُماني حذر يسعى لدرء أي اضطراب على حدوده.
تحرص الرياض على قطع خطوط تهريب الطائرات المسيَّرة ومكوّناتها التي تمر عبر الأراضي العُمانية باتجاه المهرة ثم إلى صنعاء، وقد كثفت لهذا الغرض دعم قوات درع الوطن وانتشارها في المحافظة .
في المقابل، تعتمد طهران على شبكة وسطاء محليين لتمرير تلك المكونات؛ وتوفر سلطنة عمان—بحكم علاقاتها المتوازنة—بيئة مفتوحة نسبيًا أمام حركة التجارة البينية، ما يُستغل أحيانًا لتغطية المسارات غير المشروعة.
ورغم عدم توجيه اتهام رسمي لمسقط بالتواطؤ، فإن بيانات سعودية غير رسمية ألمحت أكثر من مرة إلى «تساهل» في مراقبة البضائع ثنائية الاستخدام العابرة للحدود.
تسعى عمان بالمقابل إلى إبقاء المهرة منطقة عازلة تخفف الضغط العسكري السعودي عن حدودها وتحول دون تمدد نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا على الساحل الشرقي.
من جهتها، ترى إيران أن أي حضور سعودي أو إماراتي طويل الأمد في المهرة يهدد خط الإمداد الرئيس للحوثيين ويفقدها ورقة ضغط بحر العرب في المفاوضات الأوسع مع الغرب.
لذلك تعتمد طهران استراتيجية «الإنهاك المنخفض الكلفة» عبر الدفع بخبراء ومستشارين من حزب الله لتدريب خلايا صغيرة على التهريب والعمل الاستخباري، وفق إفادات أمنية خليجية لم تنفها طهران رسميًا.
تفيد تقارير «معهد دراسة الحرب» بأن ميليشيات الحوثي كثّفت في النصف الأول من 2025 هجماتها البحرية في البحر الأحمر، ما يفرض عليها في الوقت ذاته تأمين تدفق قطع الغيار عبر مسارات شرق اليمن .
يأتي حادث صَرْفيت ليكشف مجددًا هشاشة هذا «الخط الخلفي» ويجبر إيران على إعادة تقييم درجة المخاطرة وتحريك جهود بديلة قد تمر عبر الشبكة البرية في حضرموت.
على خط موازٍ تعمل الرياض ومسقط منذ مطلع 2025 على صياغة تفاهمات حدودية تتعلق بتبادل المعلومات حول حركات الشحن الخطرة، وفق تصريحات دبلوماسية متطابقة نقلتها صحيفة الشرق الأوسط في أبريل 2025.
أي انفلات أمني جديد في المهرة قد ينسف هذه التفاهمات ويعيد شبح الانقسام القبلي إلى الواجهة، وهو ما يجعل ملف صَرْفيت أكثر من مجرد قضية أمنية محلية.
ويبدو أن واشنطن تراقب الموقف بحذر؛ إذ كشف مصدر في وزارة الدفاع الأميركية لـ«وول ستريت جورنال» (22 يونيو) عن نقاش حول تعزيز قدرات المراقبة في خليج عدن لمنع تسرب الطائرات المسيّرة.
هذا التقاطع المعقد للمصالح يجعل من المحافظة اختبارًا لمعادلة «تهدئة الغرب مع الحوثي مقابل أمن الطاقة في الخليج».
وعليه فإن أيّة ثغرة تُترك من دون إغلاق سريع ستُستغل فورًا لإعادة تدوير خطوط التهريب، وهو ما يفسر إصرار السعودية على توسيع قائمة المطلوبين أمنيًا شرق اليمن.
تكشف وثيقة حكومية مسربة (مايو 2025) أن 70 % من حالات تهريب المعدات العسكرية إلى الحوثيين خلال 2024–2025 مرت عبر المنافذ الشرقية، ما يرفع المهرة إلى سلم الأولويات الأمنية.
ورغم ذلك تظل عمان لاعبًا ضروريًا في أي تسوية، نظرًا لقدرتها على التوسط مع القبائل وتوفير نافذة دبلوماسية غير متاحة للرياض أو أبوظبي.
الخلاصة أن «جغرافيا المصالح» في المهرة أصبحت مرآةً مكبرةً لصراع النفوذ الأوسع بالمنطقة، وحادث صَرْفيت مجرد حجر حرك ماءً كان يبدو راكدًا.
7. خيارات الاحتواء: خارطة عمل للحكومة والتحالف
أولًا، تسريع تشكيل لواء حدودي من أبناء المهرة يخضع لقيادة وزارة الدفاع ويعمل بموازاة الأجهزة الأمنية المحلية، بما يعزز ثقة المجتمع ولا يثير حساسيات القبيلة تجاه القوات الخارجية.
ثانيًا، إنشاء مركز عمليات مشترك (YSCOM) يربط بيانات وزارة الداخلية والدفاع والجمارك ويوفر منصة تبادل فوري للمعلومات مع أجهزة الأمن العُمانية والسعودية لتقليص زمن الاستجابة.
ثالثًا، اعتماد نظام تسجيل إلكتروني للشاحنات العابرة يُفرض عبره تركيب أجهزة تتبع (GPS) لا تُعطل إلا في نقاط التسليم النهائية داخل الأراضي اليمنية، وتغريم المخالفين بمبالغ رادعة.
رابعًا، إطلاق مشروع «طريق حوف-صرفيت الساحلي» بتمويل خليجي لتأمين بديل آمن يحد من استخدام الطرق الجبلية في التهريب ويخلق فرص عمل مباشرة لحوالي ألف شاب.
خامسًا، تفعيل إذاعة محلية ناطقة بالمهرية تبث برامج توعية حول مخاطر تهريب السلاح والمخدرات وتشجع السكان على الإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة من خلال خط ساخن محمي الهوية.
سادسًا، تكليف وزارة الشؤون القانونية بإعداد مسودة قانون خاص بمكافحة التهريب في المنافذ البرية يضاعف العقوبات على تهريب المعدات العسكرية ويتيح مصادرة المركبات بأحكام مستعجلة.
سابعًا، تعزيز قدرات النيابة الجزائية المتخصصة في عدن عبر إنشاء فرع متنقل في الغيضة يعالج القضايا الأمنية في مكان وقوعها ويمنع تراكم الملفات وتأخير البت فيها.
ثامنًا، وضع برنامج حوافز مالية للمرشدين المحليين الذين يقدمون معلومات تؤدي إلى ضبط شحنات ممنوعة، مع ضمان سرية الهوية وحمايتها من الاختراق القبلي.
تاسعًا، تعميم كاميرات حرارية على طول وادي دَمقوت والطريق الدولي إلى صلالة وربطها بغرفة القيادة في محور الغيضة، مستفيدة من دعم فني جاهز قدمته شركة كورية مطلع العام.
عاشرًا، إعادة هيكلة الخطاب الإعلامي الرسمي بحيث يصدر بيان أولي خلال ساعتين من أي حادث أمني، يرفق به مرئيّات ومستندات مختومة لحرمان الخصم من صناعة السردية.
حادي عشر، توسيع برنامج المنح الجامعية لشباب المهرة في مجالات الأمن السيبراني والهندسة لتوفير كوادر محلية تحل محل الخبراء الأجانب مستقبلًا.
ثاني عشر، إدراج المهرة ضمن خطط البنك الدولي للحماية الاجتماعية بما يضمن تمويلًا مشروطًا لمشروعات تنموية تقلل الاعتماد على اقتصاد الظل.
ثالث عشر، تفعيل محور دبلوماسي مع مسقط لإقرار بروتوكول تفتيش مشترك للشحنات ذات الاستخدام المزدوج، على غرار النموذج السعودي–الكويتي في منفذ الخفجي.
رابع عشر، مطالبة مجلس الأمن بتحديث قائمة العقوبات لتشمل الوسطاء المحليين الذين يسهّلون تهريب الطائرات المسيّرة، استنادًا إلى بيانات مصادرة في حادث صَرْفيت.
خامس عشر، عقد ورشة عمل مع ممثلي القبائل لبلورة «ميثاق حماية الحدود» ينص على التزام جماعي بمحاربة التهريب ويمنح مزايا اقتصادية للقبائل الملتزمة.
سادس عشر، إنشاء صندوق استثماري مصغر بتمويل من البرنامج السعودي للإنماء لإقراض الصيادين، ما يحد من تحول القوارب الصغيرة إلى أدوات تهريب على الساحل.
سابع عشر، تقييم دوري كل ستة أشهر لفعالية الإجراءات عبر لجنة مشتركة تضم وزارة الداخلية والمحافظة وشركاء التحالف، مع نشر تقرير شفافية للرأي العام.
هذه الخطوات المترابطة تُحوِّل حادث صَرْفيت من واقعة أمنية عابرة إلى نقطة ارتكاز لإعادة هندسة أمن الشرق اليمني، وتقليل الهامش الذي تتحرك فيه الأجندات المعادية لأمن اليمن والخليج.




