رحلة عبر وطنين لأجل سعر باقات الإنترنت: حين تصبح الجبال بوابة للهروب من غلاء الحوثي

الأحقاف نت / خاص / 23 يونيو 2025م

في مساء هادئ، لا يختلف كثيرًا عن مئات المساءات المنهكة في تعز، ارتسم مشهدٌ أشبه بلقطة من رواية سريالية، حيث كان العشرات من اليمنيين يتوافدون على ممر جبلي ضيق بين القبيطة والراهدة، لا بحثًا عن كنز مدفون، ولا للفرار من قصفٍ أو رصاص، بل من أجل شيء يبدو بسيطًا للعالم، وعظيمًا لليمني: باقة إنترنت!.

اارجال والشباب وحتي الصغار، افترشوا الأرض تحت الصخور، وتوسدوا الجبال، وكأنهم في رحلة رقمية خارج الفضاء. لم يأتوا لهاتف ذكي جديد، بل لهاتف قديم يئن في جيب صاحبه، ينتظر أن يتنفس اتصالًا أسرع، وسعرًا أرخص، من الضفة الأخرى للواقع.

من الراهدة، الخاضعة لسلطة الحوثيين، يعبرون نحو القبيطة، الواقعة تحت نفوذ الحكومة الشرعية، نفس الشركة، ولكن بأسعار متباعدة كما تباعدت الجغرافيا والسياسة. هناك، حيث ريال صنعاء القديم المعزز، وهنا، في القبيطة، باقة النت أرخص، لأن سعر الصرف مترفع وخيالي، ولأن الحرب تقرر حتى ثمن الدقيقة في شبكات الانترنت.

قال أحدهم، بصوتٍ مخنوق بحسرة السنين: “أعبر كيلومترات لأشحن باقة الإنترنت. أحيانًا لا أملك حتى أجرة الطريق، لكن غلاء الراهدة يطردنا كأننا لسنا من هذا البلد”.

هكذا أصبحت رحلة الإنترنت مثل عبور نقطة حدودية بين بلدين، بلد يتحكم فيه السعر، وبلد يتحكم فيه الفارق. لا قوانين تحكم الخدمة، لا حكومة توحد الأسعار، فقط المواطن يتلقى الضربة، في صمت.

إنه مشهد لا يحتاج لتعليق صورة رجل ينام تحت صخرة، وهو ينتظر تغطية هاتفه للمنطقة الأرخص، تكفي لتختصر مأساة وطن يعيش في جسدٍ واحد، بروحين، ووجعين.

ما يجرى بين القبيطة والراهدة لم يكن مجرد سعي خلف باقة انترنت .. بل كان “رحلة بائسة نحو حق بسيط .. في أن تبقى متصلاً بهذا العالم.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى