ورقة تحليل سياسات: غموض تمويلات البنك الدولي لليمن (2019-2020) .. مصير 1.36 مليار دولار بين الضبابية والواقع الميداني

الأحقاف نت / تحليل موقف / 10 مارس 2025م
1. الخلفية والسياق
أ. التمويلات المقدمة لليمن: نظرة عامة
منذ اندلاع النزاع في اليمن عام 2015، شهدت البلاد تدهورًا حادًا في الأوضاع الإنسانية والاقتصادية. استجابةً لهذه الأزمة، تدفقت المساعدات الدولية بشكل كبير، حيث تجاوز إجمالي التمويلات الإنسانية المقدمة لليمن 32 مليار دولار حتى عام 2024. هذه المساعدات استهدفت تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان المتضررين، بما في ذلك الغذاء، الصحة، التعليم، والإيواء.
ب. تمويلات البنك الدولي: التركيز على التنمية
في إطار الجهود الدولية لدعم اليمن، قدم البنك الدولي تمويلات بقيمة 1.36 مليار دولار خلال عامي 2019 و2020. هذه التمويلات تم توجيهها لمشاريع تنموية تهدف إلى تعزيز البنية التحتية وتحسين الخدمات الأساسية، بعيدًا عن المساعدات الإنسانية الطارئة. من الجدير بالذكر أن هذه المبالغ لا تظهر ضمن تقارير المساعدات الإنسانية، بل تم تصنيفها كاستثمارات تنموية طويلة الأجل.
ج. توزيع التمويلات: تحليل الوثيقة المرفقة
تُظهر الوثائق في المراجع أدناه تفاصيل دقيقة حول توزيع هذه التمويلات على مختلف القطاعات. على سبيل المثال، تم تخصيص 50 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء، بهدف إعادة تأهيل الشبكة الكهربائية وتحسين كفاءتها. بالإضافة إلى ذلك، تم توجيه مبالغ كبيرة لقطاعات الصحة، المياه، والتعليم، مع التركيز على تعزيز القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
2. تشخيص المشكلة
أ. غياب الشفافية وآليات الصرف
رغم الحجم الكبير للتمويلات المقدمة، يبرز غياب واضح للشفافية في آليات صرف هذه الأموال. التقارير المتاحة لا توفر معلومات كافية حول كيفية توزيع هذه المبالغ، ولا تحدد الجهات المنفذة للمشاريع، مما يثير تساؤلات حول كفاءة وفعالية استخدام هذه الموارد.
ب. التناقض بين التمويلات والواقع الميداني
على الرغم من ضخ هذه المبالغ الكبيرة، لا يزال اليمن يعاني من أزمات إنسانية حادة. تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن 80% من السكان، أي حوالي 24 مليون شخص، بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية. هذا التناقض بين حجم التمويلات والواقع الميداني يثير تساؤلات حول فعالية المشاريع المنفذة ومدى وصولها إلى المستفيدين المستهدفين.
ج. تأثير النزاع والبيئة غير المستقرة
يُعتبر النزاع المستمر في اليمن عاملاً رئيسيًا يعيق تنفيذ المشاريع التنموية بفعالية. البيئة الأمنية غير المستقرة، بالإضافة إلى انهيار المؤسسات الحكومية، تؤدي إلى تحديات كبيرة في تنفيذ المشاريع ومراقبتها، مما يزيد من احتمالية سوء استخدام التمويلات أو هدرها.
3. تحليل الموقف
أ. العوامل المؤسسية والإجرائية
1.ضعف القدرات المؤسسية
تعاني المؤسسات المحلية في اليمن من نقص في القدرات الفنية والإدارية، مما يحد من قدرتها على تنفيذ المشاريع التنموية بكفاءة. هذا الضعف المؤسسي يؤدي إلى اعتماد مفرط على الوكالات الدولية لتنفيذ المشاريع، مما قد يزيد من التكاليف التشغيلية ويقلل من فعالية التنفيذ.
2. غياب آليات الرقابة والمساءلة
تفتقر اليمن إلى آليات رقابية فعّالة لمتابعة تنفيذ المشاريع وضمان استخدام التمويلات بشكل صحيح. غياب هذه الآليات يفتح الباب أمام الفساد وسوء الإدارة، مما يؤدي إلى هدر الموارد وعدم تحقيق الأهداف المرجوة.
ب. دور الجهات الدولية والمحلية في الرقابة والتدقيق
1. الجهات الدولية
تتحمل المؤسسات الدولية، مثل البنك الدولي ووكالات الأمم المتحدة، مسؤولية كبيرة في ضمان الشفافية والمساءلة في استخدام التمويلات. ومع ذلك، تشير التقارير إلى نقص في الشفافية فيما يتعلق بنشر المعلومات حول تنفيذ المشاريع، مما يحد من قدرة الجهات المحلية والمجتمع المدني على متابعة ومراقبة هذه المشاريع.
2. الجهات المحلية
بالإضافة إلى ذلك، تعاني الجهات المحلية، بما في ذلك الحكومة والمنظمات غير الحكومية، من نقص في الموارد والقدرات لمتابعة تنفيذ المشاريع بفعالية. هذا النقص يعوق قدرتها على الرقابة والتدقيق، ويجعلها تعتمد بشكل كبير على التقارير المقدمة من الجهات الدولية.
ج. تقييم آليات الشراكة بين البنك الدولي ووكالات الأمم المتحدة والمؤسسات المحلية
1. تعدد الطبقات الإدارية
تُدار التمويلات المقدمة لليمن عبر شراكات معقدة بين البنك الدولي، وكالات الأمم المتحدة، والمؤسسات المحلية. هذا التعدد في الطبقات الإدارية يؤدي إلى تعقيد آليات التنفيذ، وزيادة التكاليف التشغيلية، وتأخير في تنفيذ المشاريع.
2. نقص التنسيق والتواصل
بالإضافة إلى ذلك، يبرز نقص في التنسيق والتواصل بين هذه الجهات، مما يؤدي إلى تداخل في الأدوار والمسؤوليات، ويعيق تحقيق الأهداف المرجوة من التمويلات المقدمة.
4. الخيار الأول: تحسين الشفافية والرقابة
أ. التدابير والسياسات الممكنة لتشديد الرقابة المالية والإدارية
– نشر تقارير دورية مفصلة
إلزام الجهات المنفذة بنشر تقارير دورية تفصيلية توضح آليات صرف التمويلات، ونسب الإنجاز في المشاريع، والتحديات التي تواجه التنفيذ.
– تطوير منصات إلكترونية للشفافية
إنشاء منصات إلكترونية تتيح للجمهور الوصول إلى معلومات محدثة حول المشاريع الممولة، بما في ذلك المبالغ المصروفة، والجهات المنفذة، والجداول الزمنية للتنفيذ.
– تعزيز آليات التدقيق المالي المستقل
تعيين جهات تدقيق مستقلة لمراجعة الحسابات والتأكد من سلامة الإجراءات المالية، وضمان استخدام التمويلات في الأغراض المخصصة لها.
ب. تبني معايير دولية لنشر البيانات حول أوجه صرف التمويلات
1. الامتثال لمعايير الشفافية الدولية
الالتزام بمعايير الشفافية المعترف بها عالميًا، مثل مبادرة الشفافية في المساعدات الدولية (IATI)، والتي تلزم الجهات المانحة بنشر بيانات تفصيلية حول تدفقات التمويلات، المستفيدين، ومستوى تنفيذ المشاريع.
2. توحيد أساليب التقارير المالية والتنفيذية
تطوير قوالب قياسية موحدة للتقارير المالية والإدارية، بحيث يتم تقديم بيانات متسقة عبر جميع الجهات المانحة والمنفذة، مما يسهل عملية المراجعة والتدقيق.
ج. المسؤوليات التي ينبغي أن تتحملها الجهات المختلفة
1. البنك الدولي والجهات المانحة
نشر تقارير تفصيلية دورية حول حالة تنفيذ المشاريع، بما يشمل العقود الموقعة، قيمة التمويلات المصروفة، ونسب الإنجاز الفعلية.
2. الحكومة اليمنية
تعزيز قدرة المؤسسات الرقابية المحلية على تتبع التمويلات الممنوحة من الجهات الدولية، مع تمكينها من إجراء تدقيق دوري للمشاريع الممولة.
3. المجتمع المدني والإعلام
إطلاق حملات توعية لتعريف المواطنين بحقوقهم في معرفة كيفية إنفاق التمويلات الدولية، وضمان وصول المساعدات إلى الفئات المستحقة.
5. الخيار الثاني: إشراك المجتمع المحلي والمجتمع المدني
أ. دور المنظمات المدنية المحلية في الإشراف على المشاريع ومتابعة أثرها
1. تشكيل لجان رقابية مجتمعية
إنشاء لجان رقابة مجتمعية مستقلة تضم ممثلين عن المجتمع المدني، وخبراء اقتصاديين، وصحفيين، لمراقبة تنفيذ المشاريع الممولة دوليًا.
2. دعم المبادرات المجتمعية لتعزيز الشفافية
تطوير منصات إلكترونية تفاعلية تسمح للمواطنين بالإبلاغ عن المشاريع المتعثرة أو حالات الفساد المحتملة.
ب. إمكانية استخدام آليات المساءلة المجتمعية (Social Accountability Mechanisms)
1.تعزيز الشفافية من خلال الأدوات الرقمية
إطلاق تطبيقات للهواتف المحمولة تمكن المواطنين من متابعة المشاريع في مناطقهم والإبلاغ عن أي مشكلات في التنفيذ.
2. دعم الإعلام المستقل والصحافة الاستقصائية
تشجيع الإعلاميين على متابعة ملف التمويلات الدولية ونشر تقارير تحقيقية تكشف أي تجاوزات مالية أو إدارية.
6. الخيار الثالث: توجيه التمويلات نحو القطاعات الحيوية مباشرة
أ. إمكانية اعتماد حلول تمويلية سريعة ومباشرة للمشاريع الخدمية الأساسية
1. تحويل التمويلات إلى دعم مباشر للمستفيدين
بدلاً من تمرير التمويلات عبر شبكة من الوسطاء الدوليين والمحليين، يمكن توجيهها مباشرة إلى المستشفيات، والمدارس، ومحطات الكهرباء لضمان وصولها إلى المستفيدين النهائيين.
2. تعزيز الرقابة على العقود والمناقصات
تطبيق إجراءات صارمة لضمان عدم وجود فساد أو تلاعب في منح العقود والمناقصات المتعلقة بالمشاريع الممولة دوليًا.
ب. تقييم نموذج (Cash Transfer Programs) لدعم السكان مباشرة وتقليل الوسطاء
1. التحويلات النقدية كبديل فعال للمساعدات التقليدية
أظهرت تجارب دولية مثل كينيا والهند أن برامج التحويلات النقدية المباشرة للأسر المحتاجة تقلل من التكاليف التشغيلية وتعزز كفاءة المساعدات.
2. تقليل الاعتماد على الوسطاء الماليين الدوليين
إلغاء أو تقليل عدد الجهات الوسيطة في عمليات تحويل الأموال، مما يقلل من الرسوم الإدارية ويحسن كفاءة توزيع التمويلات.
7. التوصيات النهائي
أ. تقديم خلاصة السياسات المرجوّة من الجهات المختلفة
1. البنك الدولي والجهات المانحة
تحسين الشفافية في نشر تقارير التمويلات.
تعزيز آليات الرقابة المستقلة.
تشجيع تمويل المشاريع المباشرة بدلًا من الوسطاء.
2. تلحكومة اليمنية
تحسين البيئة الرقابية لضمان حسن تنفيذ المشاريع.
تسهيل وصول الصحفيين والمجتمع المدني إلى البيانات المتعلقة بالمشاريع الممولة دوليًا.
3. المجتمع المدني والإعلام
تكثيف الجهود الرقابية عبر الصحافة الاستقصائية.
تطوير منصات إلكترونية لمراقبة المشاريع والإبلاغ عن الانتهاكات.
الخاتمة
يثير ملف غموض تمويلات البنك الدولي لليمن تساؤلات مشروعة حول مدى كفاءة إدارة هذه التمويلات، وما إذا كانت قد حققت أهدافها التنموية المرجوة. ومن أجل ضمان وصول هذه التمويلات إلى مستحقيها، يجب تعزيز الشفافية، تحسين الرقابة، وتمكين المجتمع المدني من دور فاعل في المساءلة.